لعنة الظل وقلب الغابة
الفصل الحادي عشر: خاتم العهد
المشهد الأول: أثر الريشة
كان الفجر يتسلل ببطء إلى الغرفة.
ضوء رمادي خافت عبر النافذة، وانسكب فوق الأرضية الخشبية، فكشف ذرات الغبار المعلّقة في الهواء كأنها نجوم صغيرة عالقة في السكون.
جلست إيلورا على حافة سريرها.
الكتاب الأسود مغلق فوق حجرها، بينما عيناها المرهقتان تشهدان على ليلةٍ لم تعرف النوم.
الريشة الرمادية التي رأتْها على السطح… لم تكن خيالًا.
نهضت ببطء، ومشت نحو النافذة.
كان السطح خاليًا، لكن البلاط احتفظ بشيءٍ آخر.
آثار.
ليست آثار أقدام بشرية.
بل حوافر صغيرة… كحوافر طائرٍ هائل.
شعرت بقشعريرة باردة تمر في جسدها.
نزلت من غرفتها بهدوء.
المنزل غارق في صمتٍ عميق.
من الطابق السفلي وصلها صوت أنفاس ليريس المنتظمة. نومٌ هادئ… أو تمثيلٌ متقن.
خرجت إيلورا إلى الحديقة.
كان العشب مبتلًا بندى الفجر، باردًا تحت قدميها.
رفعت عينيها نحو الشجرة العتيقة التي تمتد أغصانها فوق السطح.
تسلقتها ببطء.
الأغصان قوية، صلبة، كأنها تحمل ذاكرة سنوات طويلة.
وحين بلغت السطح…
رأتها.
الريشة.
رمادية طويلة، أطول من ريش الصقور المعروفة، تتخللها خطوط فضية دقيقة تشبه رموزًا منسية.
مدّت إيلورا يدها ولمستها.
وفجأة…
انفجرت الرؤية.
سماء واسعة.
طائر هائل يملأ الأفق، جناحاه يحجبان الشمس.
رجل يمتطي ظهره، يرفع يده نحو السماء.
في إصبعه خاتم فضي يتوهج.
وصوت عميق يتردد في الفضاء:
"العهد… لم يُكسر."
انطفأت الرؤية فجأة.
بقيت إيلورا واقفة فوق السطح، وأنفاسها تتسارع.
همست:
"العهد…"
الكلمة نفسها التي قرأتها في الكتاب.
دم العهد.
"لا تلمسي آثارهم."
جاء الصوت من خلفها.
التفتت.
كان كاسيان يقف عند حافة السطح كأنه خرج من الظلال نفسها. قميصه الداكن يذوب في عتمة الفجر.
سألته دون أن تخفي توترها:
"من هم؟"
اقترب قليلًا، ونظر إلى الريشة.
قال بصوت منخفض:
"حرّاس قدماء."
توقفت أنفاسها لحظة.
"من قبل الميثاق."
"قبل الميثاق؟"
أومأ.
"كان هناك ثلاثة عشر حارسًا… قبل كتابة الميثاق، وقبل أن يُحبس الختم."
سألته:
"وماذا حدث لهم؟"
ساد الصمت لحظة.
ثم قال:
"اختفوا."
وتابع بنبرة أكثر قتامة:
"أو اختاروا الاختفاء."
ثم نظر إلى معصمها.
"الشخص الذي رأيتِه الليلة… واحد منهم."
قالت بقلق:
"لماذا يراقبني؟"
أشار إلى معصمها حيث تختبئ العلامة.
وقال:
"لأن الخاتم… يناديهم."
المشهد الثاني: مجلس المدرسة
كان ضجيج المدرسة كالمعتاد.
طلاب يمرّون في الممرات، ضحكات تتردد، وأصوات تتقاطع في الهواء.
لكن بالنسبة لإيلورا…
كان كل شيء مختلفًا.
كانت تشعر بنظراتٍ تلاحقها.
ليست نظرات الظلال.
بل نظرات البشر.
جلست في مقعدها.
كاسيان خلفها.
وليرا إلى جانبها.
دخلت ميرالا.
ثوبها الأسود الأنيق ينساب بهدوء، لكن عينيها كانتا تبحثان عن شيء محدد.
توقفت عند مقعد إيلورا.
قالت بابتسامة خفيفة:
"صباح الخير."
أجابت إيلورا:
"صباح النور."
انخفض بصر ميرالا نحو معصمها المخفي تحت الكم.
ثم قالت:
"آمل أنك أنجزت واجب الأمس."
سألت إيلورا:
"أي واجب؟"
قالت ميرالا:
"الورقة… اسم الشخص الذي تثقين به."
تذكرت إيلورا.
كانت قد كتبت اسمًا واحدًا فقط.
سألت:
"أين وضعتها؟"
ابتسمت ميرالا ابتسامة غامضة.
"في مكان آمن."
ثم أضافت:
"سنرى… إن كنت صادقة."
استدارت نحو السبورة.
وكتبت ببطء:
الحارس الحقيقي… لا يخون.
ثم التفتت.
ونظرت مباشرة إلى إيلورا.
وقالت:
"بعض الحراس يحملون خواتم… وبعضهم لا."
تجمدت إيلورا.
"ماذا تقصدين؟"
قالت ميرالا بهدوء:
"لا شيء."
ثم قالت:
"افتحوا الكتب. الصفحة خمسون."
همست ليرا بجانبها:
"سمعتِ ما قالت؟"
أومأت إيلورا.
قالت ليرا بصوت منخفض:
"أبي كان يتحدث عن خواتم الحراس قبل موته."
سألتها:
"ماذا قال؟"
قالت:
"قال إن الخاتم… هو العهد نفسه."
ثم أضافت:
"ومن يرتديه… لا يستطيع الكذب."
شعرت إيلورا بقشعريرة.
سألت:
"أين خاتم أبيك؟"
شحب وجه ليرا.
"لم نجده."
ثم قالت:
"بعد موته… اختفى كل شيء."
نظرت إلى إيلورا.
"لكن الشخص الذي رأيتِه على السطح…"
أكملت إيلورا:
"كان يرتدي خاتمًا."
ابتلعت ليرا ريقها.
وقالت:
"إذن… هو أحدهم."
"من؟"
قالت بصوت خافت:
"حراس العهد القديم."
المشهد الخامس: اجتماع الأسطح
كان القمر مكتملًا عندما وقفت إيلورا على سطح منزلها.
الريشة الرمادية بين أصابعها.
الضوء الفضي يغمر السطوح والبيوت.
وفجأة…
جاء الصوت من الظل.
"جئتِ."
التفتت.
كان الرجل نفسه.
يقف على السطح المقابل.
عباءة رمادية، وقناع فضي يلمع تحت ضوء القمر.
سألته:
"من أنت؟"
قال بهدوء:
"حارس."
ثم أضاف:
"كما ستصبحين."
قفز من السطح المقابل.
هبط أمامها بخفة طائر.
اقترب خطوة.
قال:
"اسمي فاليريس."
تذكرت الاسم.
قالت:
"فاليرين ذكر اسمك."
ابتسم خلف القناع.
"فاليرين خائن."
ثم قال:
"خان العهد… وخان أمك."
تجمدت.
"كنت هناك… حين ماتت."
همست:
"من قتلها؟"
قال بهدوء ثقيل:
"الختم."
ثم أخرج خاتمًا فضيًا صغيرًا.
وضعه في يدها.
قال:
"خاتم العهد."
ثم نظر إليها.
"ارتديه… وسيحميك."
سألته بحذر:
"ومن يحميني منك؟"
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال:
"أنا… لا أخون."
ثم اختفى في الظلام.
المشهد الأخير: قرار الفجر
مع الفجر…
جلست إيلورا في غرفتها.
الخاتم الفضي على الطاولة.
إلى جانب الكتاب… والقلادة.
ثلاثة أيام.
فقط.
دخل آركان من النافذة.
نظر إلى الخاتم.
وقال:
"فاليريس جاءك."
أومأت.
سألته:
"هل ألبسه؟"
صمت لحظة.
ثم قال:
"إن لبستِه… سيحميك."
ثم أضاف ببطء:
"لكنّك ستصبحين جزءًا من عهده."
نظرت إلى الخاتم طويلًا.
ثم رفعته.
وأدخلته في إصبعها.
كان باردًا في البداية.
ثم…
صار دافئًا.
كأنه… يعرفها.
توهجت العلامة على معصمها.
ذهبٌ وفضة معًا.
في الخارج…
كان كاسيان يراقب من فوق شجرة بعيدة.
حين رأى الخاتم في يدها…
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال بصوت خافت:
"بدأتِ تختارين."
يتبع في الفصل الثاني عشر.