📖 لعنة الظل وقلب الغابة
---
الفصل الثامن عشر: خاتمُ الدمِ والنور
المشهد الأول: صدمةُ العودة
لم يكنْ الانتقالُ عبرَ الظلِّ كالمشيِ في الطريق، بل كانَ كالسقوطِ من هاويةٍ دونَ قاع، وعندما فتحت إيلورا عينيها وجدتْ نفسَها ملقاةً على العشبِ تحت شجرةِ إلدورا، تتنفسُ بصعوبةٍ كأنّ رئتيها امتلأتا بالرصاصِ المذاب. كانَ كاسيانُ وآركانِ يقفانِ بجانبها يحدّقانِ في الشجرةِ الضخمةِ التي كانتْ تهدرُ بصوتٍ منخفضٍ كصوتِ الرعدِ البعيد، بينما كانَ فاليريسُ يقفُ تحتَ الظلِّ مباشرةً وكأنّهُ كانَ ينتظرُ وصولهم منذُ الأزل.
"لقد عدتِ." قال فاليريس وصوتُهُ كانَ هادئًا بشكلٍ مرعب، وعيناهُ الخضراوانِ لم تكونا تنظرانِ إلى إيلورا بل إلى يدِها اليمنى حيثُ الندبةُ الفضيةُ كانتْ تتوهجُ بقوةٍ لم تعهدْها من قبل.
نهضت إيلورا بصعوبةٍ واتكأتْ على كاسيان، وشعرتْ بأنّ الختمَ الداخليّ في صدرها يصرخُ ألمًا، وكأنّ شيئًا داخلها يحاولُ الخروجَ بالقوة، وقالت بصوتٍ مبحوح: "أينَ الخاتمُ الثالث؟ أخبرني يا فاليريس، لقد وعدتني."
ابتسمَ فاليريس ابتسامةً حزينةً لم تصلْ إلى عينيه، ومدّ يدَهُ نحوَ جذعِ الشجرةِ الأسودِ المتلألئ، وقال: "الخاتمُ لم يكنْ مفقودًا يا إيلورا، ولم يكنْ مخفيًا في كهفٍ أو غابةٍ بعيدة."
"إذن أينَ هو؟" صرخت إيلورا وشعرتْ بالصبرِ ينزفُ من داخلها.
أشارَ فاليريسُ إلى صدرها، ثمّ إلى الشجرة، وقال جملةً واحدةً هزّتْ العالمَ من حولها: "الخاتمُ كانَ دائمًا بينَ يديكِ، لكنّكِ لم تكوني مستعدةً لرؤيتهِ."
---
المشهد الثاني: الحقيقةُ العارية
صمتَ الجميع، وثقلُ الكلماتِ ملأَ الهواءَ كأنّ الأكسجينَ قد سُحبَ من المكان، ونظرت إيلورا إلى يدِها الفارغةِ ثمّ إلى الشجرةِ، وفهمتْ فجأةً أنّ الرحلةَ كلها لم تكنْ بحثًا عن شيءٍ مفقودٍ بل كانتْ رحلةً لتقبّلِ شيءٍ موجود.
"لا أفهم." همست إيلورا وصوتُها كانَ يرتجف. "كيفَ يكونُ الخاتمُ بينَ يديّ وأنا لم أرتدِهِ من قبل؟"
"لأنّ الخاتمَ الثالث..." قال آركان فجأةً وصوتُهُ كانَ مليئًا بالدهشةِ والإدراك. "ليسَ قطعةَ معدنٍ مثلَ الخاتمينِ الآخرِين، بل هوَ جزءٌ من روحِ الحارسِ الحقيقي."
نظرَ فاليريسُ إلى آركانِ وقال: "أحسنتَ يا حارسَ الظل، الخاتمُ الثالثُ هوَ خاتمُ التوازن، ولا يمكنُ صنعُهُ من مادةٍ مادية، بل يُصنعُ من دمِ الوريثِ ونورِ الشجرة."
تقدّمت إيلورا نحوَ الشجرةِ بخطواتٍ متثاقلة، وشعرتْ بأنّ الجذعَ يناديها بصوتٍ لا يُسمع، ووضعَتْ يدَها على السطحِ الأسودِ المتلألئ، وفجأةً تشقّقَ الجذعُ أمامَ يدِها وظهرَ تجويفٌ صغيرٌ في الداخلِ لم يكنْ يحتوي على شيءٍ ماديّ بل كانَ ينبضُ بضوءٍ أبيضَ نقي.
"ضعي يدكِ في الداخل." قال فاليريس. "واسمحي للشجرةِ بأنْ تأخذَ ما تحتاجهُ."
"ماذا ستأخذ؟" سألت إيلورا وخوفٌ باردُ تسلّلَ إلى عروقها.
"ذكرى." قال فاليريس بصوتٍ لا يحملُ شفقة. "ذكرى واحدةً فقط، لكنها ستكونُ الأغلى."
---
المشهد الثالث: ثمنُ التوازن
ترددت إيلورا للحظة، لأنّ ذكرياتها كانتْ قد نُهِكتْ بالفعلِ من استخدامِ الخاتمِ الفضيّ الذي كسرته، لكنّ صوتَ نيراثَ في صدرها كانَ يصرخُ وكأنّهُ يحذّرُها من أنْ تكتملَ القوةُ في يديها، وصرخت إيلورا: "خذ ما تريد، فقط أعطيني القوةَ لإنقاذِ من أحب."
أدخلت إيلورا يدَها في التجويفِ المضيء، وشعرتْ بألمٍ حادّ كإبرةٍ ساخنةٍ تخترقُ عظمها حتى النخاع، وصَرَخت صرخةً لم تكنْ بشريّةً بل كانتْ صرخةَ روحٍ تُنتزعُ من جسد، وفي تلك اللحظةِ اختفتْ صورةٌ من عقلها تمامًا، صورةُ وجهِ أمها وهي تبتسمُ لها في آخرِ مرةٍ رأتهَا فيها.
لم تعدْ تتذكّرُ ابتسامةَ أمها، لم تعدْ تتذكّرُ صوتها، أصبحتْ الصورةُ فراغًا أبيضَ مؤلمًا، لكنّ يدَها داخلَ الشجرةِ بدأتْ تلمعُ، وخرجَ من التجويفِ خاتمٌ لم يكنْ من فضةٍ ولا من ذهب، بل كانَ من ضوءٍ متجمدٍ يلتفّ حولَ إصبعها كالضباب.
سحبت إيلورا يدَها من الشجرةِ وسقطتْ على ركبتيها تبكي، ليسَ من الألمِ الجسديّ بل من الفقدِ الروحي، ونظرَ كاسيان إليها مذعورًا: "إيلورا، ماذا أخذتْ منكِ؟"
"ابتسامةَ أمي." همست إيلورا وصوتُها كانَ محطمًا. "لم أعدْ أتذكّرُ كيفَ كانتْ تبتسمُ لي."
صمتَ الجميع، وثقلُ التضحيةِ كانَ أثقلَ من أيّ سيف، لأنّهم أدركوا أنّ القوةَ لا تُمنحُ مجانًا أبدًا، بل تُشترى بأغلى ما يملكُ الإنسان.
---
المشهد الرابع: اكتمالُ الثالوث
نهضت إيلورا ببطءٍ ونظرتْ إلى يدِها، حيثُ كانَ الخاتمُ الثالثُ يلمعُ بلونٍ أبيضَ نقيّ يختلفُ عن الفضيّ والأسود، وشعرتْ بأنّ الختمَ الداخليّ في صدرها قد هدأَ لأولِ مرة، وكأنّ نيراثَ قد نامَ مجددًا تحتَ وطأةِ القوةِ الجديدة.
"لقد اكتملَ الثالوث." قال فاليريس وصوتُهُ كانَ يحملُ رهبةً قديمة. "خاتمُ الحمايةِ تحطّمَ، وخاتمُ الفناءِ مع زاركيث، وخاتمُ التوازنِ الآنَ في يدكِ."
"ماذا أفعلُ به؟" سألت إيلورا وهي تحدّقُ في الضوءِ حولَ إصبعها.
"تغلقينَ الختمَ الداخليّ للأبد." قال آركان. "أو تفتحينهُ وتحرّرينَ نيراث، الخيارُ الآنَ بيدكِ وحدكِ."
لكنّ إيلورا لم تجب، لأنّها شعرتْ فجأةً بأنّ الأرضَ تحتَ قدميها اهتزّتْ، والسماءَ فوقها تلطّختْ بغيومٍ سوداءَ كثيفةٍ لم تكنْ موجودةً من قبل، وصوتُ ضحكةٍ عاليةٍ هزّ أغصانَ إلدورا حتى تساقطتْ أوراقها الفضيةُ كالمطر.
---
المشهد الخامس: وصولُ ملكِ الظلال
"كم كانَ المشهدَ مؤثرًا." قال صوتُ زاركيث، وظهرَ فوقَ أغصانِ الشجرةِ ليسَ كجسدٍ بل كسحابٍ من الظلالِ الكثيفةِ التي تلمعُ عيناها البنفسجيتانِ في العتمة. "دموعُ اليتيمةِ، وثمنُ الذكرى، كلُّ هذا المسرحيةُ كانتْ لأجلي."
"ماذا تعني؟" صرخت إيلورا ورفعَتْ يدَها التي تحملُ الخاتمَ الثالث.
"أعني أنّ الخاتمَ الثالث..." قال زاركيث ونزلَ من الشجرةِ ليقفَ أمامها مباشرةً، والظلالُ حولهُ تتشكّلُ إلى أذرعٍ طويلةٍ تحملُ سيوفًا من دخان. "لم يكنْ ليغلقَ نيراث، بل كانَ ليوقظهُ بالكامل."
"كذب!" صرخ كاسيان وانقضّ على زاركيث بسيفهِ، لكنّ سيفهُ مرّ عبرَ الظلّ كأنّهُ يقطعُ الدخان.
"ليسَ كذبًا." قال زاركيث والتفتَ إلى إيلورا، وعيناهُ البنفسجيتانِ اتسعتا بلمعةِ انتصارٍ قاتل. "كلُّ ما فقدتِهِ... لم يكن ثمنًا، بل كانَ المفتاح."
شعرت إيلورا بألمٍ حادّ في صدرها، وكأنّ شيئًا يكسرُ قفصها الصدريّ من الداخل، وصرختْ من الألمِ وسقطتْ على الأرض، ورأتْ في عينيها ومضاتٍ سريعةً لوجهٍ قديمٍ لا تعرفهُ، وجهُ رجلٍ بتاجٍ من ظلامٍ يبتسمُ لها.
"نيراث." همسَ زاركيث وصوتُهُ كانَ مليئًا بالانتصار. "لقد استيقظَ أخيرًا."
نظرَ إلى إيلورا المنهارةِ على الأرض، وقالَ الجملةَ التي مثلتْ الطعنةَ الأخيرةَ في قلبها: "لم أوقظ نيراث… أنتِ من توسّل إليه أن يستيقظ."
"توسّلتُ؟" همست إيلورا وصوتُها كانَ ضعيفًا. "كيف؟"
"بتضحياتكِ." قال زاركيث. "كلُّ مرةٍ كسرتِ فيها خاتمًا، كلُّ مرةٍ فقدتِ فيها ذكرى، كنتِ تدقّينَ بابَ سجنهِ من الداخل، واليومَ فتحتِ البابَ بيدكِ."
---
المشهد السادس: التحولُ الأول
نهضت إيلورا، لكنّ حركتَها لم تكنْ حركتَها المعتادة، بل كانتْ حركةً انسيابيةً غريبةً كأنّ جسدها لا يطيعُ قوانينَ الجاذبية، وعيناها الخضراوانِ امتلأتا بلمعةٍ سوداءَ طغتْ على الخضرة، ونظرتْ إلى زاركيث وقالت بصوتٍ لم يكنْ صوتها بل كانَ صوتًا مزدوجًا: "لماذا أيقظتني يا ظليّ التافه؟"
صمتَ زاركيث لأولِ مرة، وظهرَ على وجههِ الظلاميّ شيءٌ يشبهُ الخوف، وقال: "أنتِ... لستِ إيلورا."
"أنا إيلورا." قالت الفتاة، وصوتُها كانَ يحملُ قوةً تهزّ الأرض. "وأنا نيراث، ونحنُ الآنَ واحد."
نظرَ كاسيان إلى إيلورا مذعورًا، وصرخ: "إيلورا، قاتليهِ! لا تدعيهِ يسيطرُ عليكِ!"
لكنّ إيلورا التفتتْ إليهِ، ونظرتْ إليهِ نظرةَ غريبةٍ لا تحملُ أيّ تعرف، وقالت: "من أنتَ أيّها الحارسُ الصغير؟"
سقطَ كاسيان على ركبتيهِ وكأنّ ضربةً غيرَ مرئيةٍ ضربتْ روحهُ، وفهمَ في تلك اللحظةِ أنّهم خسروا المعركةَ قبلَ أنْ تبدأ، لأنّ الخاتمَ الثالثَ لم يكنْ سلاحًا ضدّ الظلام، بل كانَ جسرًا للظلامِ ليدخلَ إلى العالمِ بشكلٍ كامل.
---
المشهد السابع: هروبُ الحراس
"علينا الخروجَ الآن!" صرخ آركان ومسكُ كاسيانَ من كتفهِ وسحبهُ بعيدًا عن الشجرة.
"لا يمكنني تركها!" صرخ كاسيان وحاولَ العودة، لكنّ موجةً من الظلّ دفعتهُ للخلفِ وألقتهُ على الأرض.
"لستَ قادرًا على مساعدتها الآن." قال آركان وصوتُهُ كانَ حازمًا. "إذا بقيتَ ستموت، وإذا متّ لن يستطيعَ أحدٌ إنقاذها لاحقًا."
نظرَ كاسيان إلى إيلورا التي كانتْ تقفُ تحتَ الشجرةِ تبتسمُ ابتسامةً باردةً مرعبة، وشعرَ بأنّ قلبهُ يتكسرُ إلى ألفِ قطعة، وقال بصوتٍ محطم: "سأعودُ لكِ يا إيلورا، أعدكِ."
اختفى الحراسُ في الظلالِ تاركينَ إيلورا وحدها مع زاركيث تحتَ شجرةِ إلدورا، بينما كانتْ السماءُ تمطرُ ظلامًا كثيفًا يغمرُ العالمَ كله.
وقفت إيلورا - أو ما بقيَ منها - ونظرتْ إلى يدِها حيثُ الخاتمُ الثالث، وقالت لزاركيث: "الآنَ بعدَ أنْ استيقظتُ، ماذا تريدُ منّي أيّها الملكُ الظليل؟"
ابتسمَ زاركيث وقال: "أريدُ أنْ تفتحي البابَ للأبد، يا ملكتي الجديدة."
---
يتبع في الفصل التاسع عشر...
---