RachaRacha2004

شارك على مواقع التواصل

📖 لعنة الظل وقلب الغابة




---

الفصل الثاني عشر: ثمن العهد

المشهد الأول: ظلّ الذنب

ليل.

ثالث الأيام.

القمر مكتمل، يصبّ فضته الباردة على الحديقة، لكنّ الظلال تحت الأشجار كانت كثيفةً بشكلٍ مرضٍ. كأنّ الليل نفسه يتنفس، ويراقب.

وقفت إيلورا في وسط العشب. وحدها.

الريح هبت، حاملةً رائحةً كريهة. رائحة لحمٍ محترق، واختناق.

خفقان قلبها تسارع، دقاتٌ قويةٌ تؤلم صدرها كأنّ قبضةً غير مرئية تعصره. يدانا تعرقان رغم البرد القارس.

نظرت إلى يدها اليمنى. الخاتم الفضي يلتفّ حول بنصرها كحيّةٍ باردة. منذ لبستهُ، لم يعد جزءًا من جسدها، بل أصبح جسمًا غريبًا يغزو عروقها.

لكنّ الأهم... كان الصوت.

صوتٌ داخليٌ يهمس منذ ساعات. ليس صوت الخاتم. صوتُ ذنب.

"لو لم أكن وُلدتُ... لما ماتتْ أمي."

"لو لم أكن الختم... لما ماتَ أبو آريسا."

"لو لم أكن ضعيفةً... لما ماتَ حراسٌ كثر."

كلُّ نبضةٍ في الخاتم تُذكّرها بأنّ هناك ثمنًا. وكلُّ ثمنٍ يُدفعُ بدمِ شخصٍ تحبّه.

"أعلم أنك هنا." صرخت في الظلام. صوتها ارتجف، ليس من البرد، بل من ذلك الصوت الداخلي الذي بدأ يهمس منذ ساعات. صوتٌ لا تعرفه،却又 يشبهها.

صمت.

ثمّ... حركة.

ليس حركة هواء. حركة جسدٍ ضخمٍ يشقّ الظلام كسكينٍ في قماش.

قفز فارغول من فوق الشجرة.

هبوطٌ صامت. مخالبه الغارقة في الظل لم تُحدث صوتًا. وقف على بعد أمتارٍ منها.

العيون الستة حمراء. توهجٌ خبيثٌ ينبض فيها كنبضات قلبٍ مريض. فمه المفتوح يكشف عن أنيابٍ من دخانٍ متصلب، تقطر منها مادةٌ سوداء تحرق العشب حيث تسقط.

"الختم..." هدر فارغول. الصوت كحفيف الصخور المتكسرة. "ارتدتِ... القيد."

"نعم." إيلورا قبضت على يدها. الخاتم الفضي باردٌ كالثلاج، لكنه يحرق روحها من الداخل. "جئتَ لتختبره؟"

"جئتُ... لأكسره. ولأكسركِ معه."

انقضّ.

بسرعةِ برقٍ أسود.

لم تفكر إيلورا. رفعت يدها. غريزةٌ بحتة.

صرخت: "توقّف!"


---

المشهد الثاني: وجع القوة

لمس الخاتمُ الهواء.

ومضةٌ فضيةٌ انفجرت من الخاتم. التقت مع ومضةٍ ذهبيةٍ من معصمها.

اصطدامٌ عنيف.

موجةُ ضغطٍ هوائيةٍ دفعت إيلورا للخلف. سقطت على العشب، لكنّ الألم لم يكن في جسدها فقط.

شعرت وكأنّ الخاتم يمتصّ منها شيئًا. ليس طاقةً فقط، بل شعورًا. شعورًا بالأمان. كان يسرق خوفها ليحوّله إلى قوة، ويتركها فارغةً من الإنسانية.

فارغول توقف في منتصف الهواء. كأنّ حاجزًا غير مرئي صدّه.

زأر بألم. الدخان يتصاعد من جسده حيث لمسته الموجة.

لكنّ الثمن كان غاليًا.

شعرت إيلورا بحرقةٍ في إصبعها. الخاتم لم يعد باردًا. أصبح أحمر متوهجًا. يحرق جلدها، ويحرق وراءه مشاعرَها.

"الألم..." همست إيلورا، الدموع تملأ عينيها ليس من الوجع الجسدي، بل من ذلك الفراغ الداخلي. "الخاتم... يأخذني."

صوتٌ جاء من داخل رأسها. ليس صوت أمها هذه المرة. صوتٌ قديمٌ محايدٌ، قاسٍ كالحديد.

"العهدُ يطلبُ ثمنًا. الحمايةُ مقابلَ الروح."

تنفست إيلورا بصعوبة. نهضت. ركبتاها ترتجفان. لم تكن ترتجف من الخوف، بل من الصراع. جزءٌ منها أراد أن يرفع يدها مجددًا ويستخدم القوة، رغم الألم. جزءٌ منها استلذّ بتلك القوة التي سحقت الوحش.

"لا..." قالت لنفسها، تصارع ذلك الإغراء. "أنا لستُ سلاحًا."

لكنّ صوتًا آخر همس: "لكنّكِ تحتاجين للسلاح... لإنقاذهم."

إنقاذهم.

ليريس في المنزل. تنتظر.
آريسا في مكانٍ ما. تبكي على أبيها.
كاسيان يقاتل إلى جانبها. قد يموت.

لو لم تستخدم القوة... من سيحميهم؟

رفعت يدها مجددًا. الخاتم ينبض مع نبض قلبها، لكنّ النبض كان أسرع من نبضها، كأنّه يريد السيطرة على إيقاع جسدها.

"اخرج!" صرخت، وصوتها حمل صوتًا آخر معها، صوتًا معدنيًا.

موجةٌ ثانية. أقوى.

فارغول ارتدّ للخلف. اصطدم بجذع شجرة. انكسر الجذع بصوتٍ مدوٍّ.

لكنّ الوحش لم يمت. فقط جُرح.

نهض ببطء. العيون الستة حدقت في الخاتم، ثم في عيني إيلورا.

"العهدُ القديم..." هدر فارغول، وصوته حمل شفقةً هذه المرة. "لا يحمي... بل يقيّد. ستصبحين مثلنا... يا حارسة."

اختفى في الظلال. لم يمت، بل انسحب.

بقيت إيلورا وحدها. تنفسها لاهث. يدها تحترق، وقلبها يصرخ.

هل أنقذت نفسها؟ أم بدأت تفقدها؟

والأهم... هل ستحمي من تحبّ؟ أم ستصبح هي الخطر عليهم؟


---

المشهد الثالث: أعباء الحارسة

"تحركي!"

صوتُ كاسيان.

ظهر من وراء شجرة. سيفه الفضي مشهورٌ. وجهه شاحبٌ من القلق، لكنّ عينيه كانتا تدرسان الخاتم في يدها بدراسةِ من يخشى شيئًا.

"لقد جُرحَ فقط." قال كاسيان، اقترب منها لكنّه لم يلمسها. "سيعودُ بقوةٍ أكبر."

"أعلم." إيلورا تمسك يدها المحترقة، تخفيها في كمّها. "الخاتم... يؤلمني."

قرب كاسيان. نظر إلى الخاتم، ثم إلى عينيها.

"العهدُ القديم..." قال كاسيان، وصوته انخفض. "قاسٍ. لكنه فعال. هل تشعرين به؟"

"بماذا؟"

"بالجوع." قال كاسيان. "الخاتم جائعٌ يا إيلورا. يطعمُ القوة، ويأخذُ المشاعر."

شعرت إيلورا بقشعريرة. هو يشعر بما تشعر به.

"أين آركان؟" سألت، لتغيير الموضوع، هاربةً من الحقيقة.

"يراقبُ الحدود." قال كاسيان. "فاليريس ليس وحده."

ومضةٌ في الظلام.

شخصٌ وقف على السطح. عباءةٌ رمادية. قناعٌ فضي.

فاليريس.

بيده خاتمٌ آخر. يلمعُ في الظلام، identical لخاتمها.

"استخدمتِه." قال فاليريس. صوتُهُ واضحٌ رغم المسافة، يحمل رضاً باردًا. "جيد."

"لماذا يؤلمني؟" صرخت إيلورا، والصبر انفجر منها. "لماذا أشعر وكأنّ جزءًا منّي مات عندما استخدمتُه؟"

قفز فاليريس من السطح. هبط بجانبهما. الهبوط كان أثقل من كاسيان، كأنّ الجاذبية تحبه أكثر.

"لأنّ الدم..." قال فاليريس، ونظر إلى الخاتم. "لم يُدفع بعد."

"أي دم؟" سألت كاسيان، ويدُهُ على سيفه اشتدت.

"ثلاثُ ساعاتٍ." قال فاليريس، متجاهلًا كاسيان، مخاطبًا إيلورا فقط. "قبل أن يكتملَ القمرُ التالي."

"ماذا يحدثُ عند الاكتمال؟"

"ينفتحُ الباب." قال فاليريس. "إما للخلاص... أو للفناء."

نظر إلى إيلورا، وعيناه الخضراوان اخترقتا قناعها الداخلي.

"القرارُ لكِ." قال. "الخاتمُ يحميكِ من الظلال. لكنه يربطكِ بي. وبالعهد."

"وماذا لو رفضتُ؟"

"ستموتين." قال فاليريس ببساطة، بدون قسوة، بل كحقيقةٍ رياضية. "بدونهِ... فارغول سيمزقكِ في المرة القادمة. وقوتكِ الداخلية لن تكفي."

صمتٌ ثقيل.

الريحُ هبت. حملت أصواتًا بعيدة. زئيرٌ آخر. أقرب.

"وقتٌ قليل." قال كاسيان، وصوته حمل مرارة. "علينا الاختيار."

نظرت إيلورا بينهما. كاسيان يخاف عليها من الخاتم. فاليريس يخاف عليها من الموت.

ومن يحميها من نفسها؟

ومن يحمي ليريس إذا أصبحتُ أنا الخطر؟


---

المشهد الرابع: اعتذارُ الأم

أغلقت إيلورا عينيها.

وجعُ الخاتم أطلق ومضةً في ذهنها. هذه المرة لم تكن صورةً فقط. كانت شعورًا.

شعورُ أمٍ تحتضن طفلًا.
خوفٌ من المستقبل.
ألمُ خاتمٍ يحرق الإصبع.
دموعٌ تسقط على جبينٍ صغير.
صوتٌ يهمس: "سامحيني يا إيلورا... لم يكن هناك خيارٌ آخر."
"أحببتُ أن أحميكِ... لكنّني حميتُ الختم بدلًا منكِ."
"لا تكرهي الخاتم... فهو ما أبقيتُ لكِ منّي."


---

فتحت إيلورا عينيها. الدموع كانت تسيل على خديها، لم تنتبه لسقوطها.

"أمي..." همست. "لم تكنْ تحميني... بل كانتْ تحمي الختم."

نظر فاليريس إليها. عيناه الخضراوان اتسعتا.

"رأيتِ؟"

"نعم." إيلورا نظرت إلى الخاتم. الفضة لم تعد باردة، أصبحت دافئةً كجلدِ إنسانٍ مريض. "هي لم تمتْ بسببِ الختم. بل ماتتْ لتغلقهُ."

"جزءٌ من الحقيقة." قال فاليريس. "لكنّ هناك فرقًا."

"ما هو؟"

"هي..." قال فاليريس، وصوته ارتجف لأول مرة. "اختارتْ الموتَ لإنقاذِ العالم. هي كسرت العهد بموتها."

نظر إلى إيلورا.

"أنتِ..." قال. "يمكنكِ اختيارُ الحياةِ لإنقاذِ نفسكِ. لكنّ الحياةَ لها ثمن."

"على حسابِ ماذا؟"

"الولاء." قال فاليريس. "من يرتدي الخاتمَ يصبحُ حارسًا. والحارسُ لا ينتمي لنفسهِ. ينتمي للعهد."

تقدّم كاسيان. خطوة.

"هذا كذب." قال كاسيان، وصوته حمل غضبًا مكبوتًا. "العهدُ لا يُجبرُ أحدًا. أنا حيٌّ ولم أبع روحي."

"الصمتَ يا كاسيان." قال فاليريس. "أنتَ لا تعرفُ الثمنَ الحقيقي. أنتَ لم ترتدِ الخاتمَ بعد."

"وكفى!" صرخت إيلورا.

الصوتُ هزّ الحديقة. الخاتمُ توهجَ بقوة، استجابةً لغضبها.

صمتَ الرجلان.

"أنا..." قالت إيلورا، تنظرُ إلى يديها المرتجفتين. "لستُ أمي. ولستُ حارسةً في عهدٍ قديم."

نظرت إلى فاليريس.

"أنا إيلورا."

"وإذا أصبحتِ الخطرَ على من تحبين؟" سأل فاليريس. "ماذا ستفعلين حينها؟"

تجمّدت إيلورا.

لم تفكّر في ذلك.

إذا أصبحتُ مثل زاركيث... إذا أصبح الخاتمُ يتحكّمُ بي...

من سيوقفني؟

هل سيموتُ كاسيان على يدي؟
هل ستموتُ ليريس؟
هل ستموتُ آريسا؟

"سأوقفُ نفسي." قالت إيلورا، وصوتها كان حازمًا رغم الرعب الذي شعرت به. "قبل أن أوذي أحدًا."

"هذا..." قال فاليريس. "هو الثمنُ الحقيقي."


---

المشهد الخامس: اختيارُ المصير

ساعتان.

العدُّ التنازلي في رأسها. ليس وقتًا فقط. بل إحساسًا بأنّ شيئًا يقترب. كأنّ الساعة تدقّ داخل عروقها.

نظرت إلى الخاتم. الفضةُ الباردةُ أصبحتْ دافئةً الآن. تتنبضُ مع علامتها الذهبية. النبضان أصبحا واحدًا.

خافت من ذلك الاندماج. خافت أن تستيقظ يومًا فتجد أنّ الخاتم هو من يسيطر، وليس هي.

لكنّ الخوف من الموت... كان أكبر.

والخوف من أن يموتَ من تحبّ بسببها... كان أكبر.

"إذا لبستُهُ..." قالت إيلورا، وصوتها كان هامسًا يسمعه الاثنان فقط. "ماذا يحدثُ للغد؟"

"ستكونين قوية." قال فاليريس. "لكنّكِ لن تكوني حرّةً تمامًا."

"وإذا نزعتُهُ؟"

"ستكونين حرّة." قال كاسيان، وصوته حمل أملًا. "لكنّكِ ستضعفين. وقد لا تنجين."

نظرت إيلورا إلى المنزل. النافذةُ مضاءة. ليريس في الداخل. تنتظر. لو ماتت إيلورا، من سيحمي ليريس؟

نظرت إلى الغابة. الظلالُ تتحرك. زاركيث ينتظر. لو ضعفت، من سيوقفه؟

نظرت إلى كاسيان. يقفُ إلى جانبها. قد يموتُ لحمايةها.

"لا أريدُ أن أكونَ حرّةً وميتة." قالت إيلورا، وصوتها اكتشف قوةً جديدةً لم تأتِ من الخاتم، بل من داخلها هي. "ولا أسيرةً وحية."

قبضت على الخاتم.

"أقبلُ الحماية." قالت إيلورا. "لكنّني أرفضُ الولاءَ الأعمى."

"أقبلُ القوة." قالت. "لكنّني سأبقى مسؤولةً عن كلِّ قطرةِ دمٍ تُسفكُ بسببي."

"أقبلُ العهد." قالت. "لكنّني سأكسرهُ إذا طلبَ منّي إيذاءَ من أحب."

ضغطت على الخاتم.

ألمٌ حادّ. كإبرةٍ تخترقُ العظم، وتصل إلى الروح.

صرخت. لكنّها لم تنزعهُ.

الخاتمُ توهجَ بضوءٍ أبيضَ ساطع. ثمّ خفتَ إلى لونٍ فضيٍّ هادئ.

الألمُ اختفى فجأة.

شعرت بقوةٍ تتدفقُ في عروقها. ليست قوتها هي. قوةٌ أقدم. لكنها هذه المرة... لم تشعر بالفراغ. شعرت بأنّها هي من يقود القوة، وليس العكس.

شعرت بدمعةٍ ساخنةٍ تسقط على خدها.

دمعةُ أمها.

"سامحيني يا أمي." همست. "لن أكونَ مثلكِ. لن أضحّي بمن أحبّ لإنقاذِ العالم."

"سأنقذُ العالم... ومن أحبّ."

"معًا."

"تمّ العهد." قال فاليريس. انحنى رأسهُ قليلاً. "يا حارسة."

كاسيان خفض سيفه. نظر إليها. في عينيه حزنٌ وقبول.

"الآن..." قال كاسيان. "بدأتِ الحربَ الحقيقية. حربُكِ مع الخاتم."

في الغابةِ البعيدة، ضحكةٌ عاليةٌ هزّت الأرض.

زاركيث.

"أخيرًا..." قال صوتُهُ يملأُ الليل، وصل إلى أذنيها رغم المسافة. "أصبحتِ جاهزةً لي."

اختفت الضحكة.

بقيت إيلورا واقفة. الخاتمُ في يدها. العلامةُ في معصمها.

يومان.

ويومان فقط يفصلانها عن المصير.

نظرت إلى يديها. الخاتم لم يعد غريبًا. أصبح جزءًا منها.

وهذا كان المخيفَ حقًا.

لكنّها لم تعد خائفةً من القوة.

خافت من المسؤولية.

من كلِّ حياةٍ ستعتمدُ عليها.

من كلِّ دمٍ قد يُسفكُ بسببها.

"يومان." همست.

"ثمّ النهاية."

أو البداية.


---

يتبع في الفصل الثالث عشر...


---
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.