---
📖 لعنة الظل وقلب الغابة
---
الفصل العشرون: وجهُ الخائن
المشهد الأول: المطرُ الأسود
كانتْ أولُ قطرةٍ من المطرِ الأسودِ قد سقطتْ، وعندما لمستْ الأرضَ أحرقتْ العشبَ وأطلقتْ دخانًا أبيضَ كصرخةِ روحٍ تُعذّب. لم يكنْ مطرًا عاديًا، بل كانَ دموعَ السماءِ وهي تبكي على عالمٍ بدأ يموتُ ببطء.
وقفتْ إيلورا/نيراث على حافةِ الغابةِ، تنظرُ نحوَ المدينةِ البعيدةِ حيثُ الأضواءُ بدأتْ تنطفئُ واحدةً تلوَ الأخرى، وكأنّ السكانَ شعروا بالخطرِ قبلَ أنْ يروهُ. كانتْ يدُها ممدودةً نحوَ السماءِ، والخاتمُ الثالثُ يلمعُ بلونٍ أرجوانيٍّ داكن، وكلما تحركتْ أصابعها زادتْ كثافةُ المطرِ الأسود.
"هذا ليسَ كافيًا." قالتْ إيلورا/نيراث بصوتها المزدوج. "أريدُ أنْ أراهمْ يركضون، أريدُ أنْ أسمعَ صراخهم."
التفتتْ إلى زاركيثَ الذي كانَ يقفُ خلفها، وجهاهُ الظلاميّ لم يعدْ يحملُ نفسَ الثقةِ التي كانتْ من قبل.
"المدينةُ ستسقطُ." قالَ زاركيثُ وصوتهُ كانَ حذرًا. "لكنّنا نحتاجُ إلى شيءٍ أكثر، نحتاجُ إلى كسرِ روحها تمامًا."
"روحُ من؟" سألتْ إيلورا/نيراث والتفتتْ إليهِ ببطء.
"روحُ إيلورا." قالَ زاركيثُ. "هي ما تزالُ تقاومُ من الداخل، وإذا استيقظتْ... ستغلقُ الختمَ مرةً أخرى."
ابتسمتْ إيلورا/نيراث ابتسامةً باردة.
"إيلورا..." قالتْ وكأنّ الاسمَ لا يعني لها شيئًا. "لم تعدْ موجودة."
لكنّ في العمق، في مكانٍ لا يراهُ أحد، كانتْ إيلورا الحقيقيةُ تبكي.
---
المشهد الثاني: الخيانةُ المكشوفة
في المخيمِ المؤقتِ، كانَ كاسيانُ وآركانُ وفاليريس يجتمعونَ حولَ نارٍ صغيرةٍ لا تدفئ، لأنّ البرودةَ كانتْ تأتي من الداخل.
"خطةُ الدخولِ إلى عالمِ الظل..." قالَ آركانُ ورسمَ خريطةً على الأرضِ بعصاه. "تتطلبُ ثلاثةَ حراس، وخاتمَ التوازن."
"لكنّ خاتمَ التوازنِ مع إيلورا." قالَ كاسيانُ وصوتهُ كانَ محطمًا.
"نعم." قالَ آركانُ. "ولهذا سنأخذهُ منها."
صمتٌ ثقيلٌ ملأَ المكان، وفاليريسُ كانَ جالسًا في الزاويةِ المظلمة، وعيناهُ الخضراوانِ تلمعانِ بنورٍ غريب.
"كيفَ سنصلُ إليها؟" سألَ فاليريسُ وصوتهُ كانَ هادئًا بشكلٍ مريب.
"سنستخدمُ هذا." قالَ آركانُ وأخرجَ من جيبهِ قطعةً صغيرةً من الخاتمِ الفضيّ الذي كسرتهُ إيلورا في الفصلِ الرابعِ عشر. "هذا الجزءُ لا يزالُ متصلًا بها، سيأخذنا إليها."
نظرَ فاليريسُ إلى القطعةِ الفضية، وشيءٌ في عينيه تغيّر.
"هل أنتَ متأكدٌ من أنّ هذهِ الخطةَ ستنجح؟" سألَ فاليريسُ.
"لا." قالَ آركانُ بصراحة. "لكنّنا لا نملكُ خيارًا آخر."
نهضَ فاليريسُ ببطء، ومشى نحوَ النار، وقالَ بصوتٍ لم يسمعوهُ من قبل: "وماذا لو كانَ هناك خيارٌ آخر؟"
"ماذا تعني؟" سألَ كاسيانُ وشعرَ بشيءٍ خاطئ.
"ماذا لو..." قالَ فاليريسُ والتفتَ إليهم، وعيناهُ لم تعودا خضراوين بل أصبحتا سوداوين تمامًا. "ماذا لو كنتُ أنا من خططَ لكلِّ هذا؟"
تجمّدَ كاسيانُ وآركانُ في مكانهما، وسيوفهما لم تكنْ في أيديهما.
"فاليريس..." قالَ آركانُ وصوتهُ كانَ منخفضًا كالهدير. "ماذا فعلت؟"
"أنا لم أفعلْ شيئًا." قالَ فاليريسُ وابتسمَ ابتسامةً مرعبة. "أنا فقط... فتحتُ البابَ الذي كانَ مغلقًا."
"أنتَ كنتَ مع نيراث." قالَ كاسيانُ وصوتهُ كانَ يرتجفُ من الغضب.
"نيراث؟" ضحك فاليريسُ ضحكةً عالية. "نيراثُ ليسَ سيدًا يا كاسيان، بل هوَ سجين، وأنا..."
أشارَ إلى نفسهِ.
"أنا السجّان."
---
المشهد الثالث: الحقيقةُ القديمة
"منذُ آلافِ السنين..." قالَ فاليريسُ وبدأَ يمشي حولَ النار، والظلالُ تنحني لهُ كالعبيد. "كانَ هناك ثلاثةُ حراسٍ للختمِ الأول."
"أنا..." قالَ وأشارَ إلى نفسهُ. "وزاركيث... وآركان."
نظرَ إلى آركانِ الذي كانَ وجههُ شاحبًا كالثلج.
"أنتَ..." قالَ كاسيانُ. "كنتَ معهُم منذُ البداية؟"
"نعم." قالَ فاليريسُ. "لكنّ زاركيثَ خانَ الميثاق، وقعَ في حبِّ حارسةٍ بشرية، وحاولَ كسرَ الختمِ لإنقاذها."
"وأمي..." همسَ كاسيانُ.
"نعم." قالَ فاليريسُ. "أمُّ إيلورا كانتْ تلكَ الحارسة، وأنا من قتلتها."
صرخَ كاسيانُ وانقضَّ على فاليريسَ بسيفهِ، لكنّ سيفهُ مرّ عبرَ ظلّ فاليريسَ كأنّهُ يقطعُ الدخان.
"لا تستطعُ قتلي." قالَ فاليريسُ. "لأنّني لستُ هنا."
"أينَ أنتَ؟" صرخَ آركانُ.
"في كلِّ مكان." قالَ فاليريسُ. "في الخاتمِ الثالث، في شجرةِ إلدورا، في..."
أشارَ إلى صدرِ كاسيان.
"فيكِ."
نظرَ كاسيانُ إلى صدرهِ، ورأى ندبةً فضيةً صغيرةً لم ينتبهْ لها من قبل.
"أنتَ..." قالَ كاسيانُ وصوتهُ كانَ مرتجفًا. "أنتَ تستخدمني."
"نعم." قالَ فاليريسُ. "لأنّكَ الوعاءُ الثاني، وإيلورا الوعاءُ الأول، ومعًا..."
"سيفتحُ الباب." قالَ صوتُ نيراثَ من بعيد.
---
المشهد الرابع: المعركةُ الداخلية
في الفراغِ الأبيضِ داخلَ روحِ إيلورا، كانتْ المعركةُ على أشدها.
نيراثُ كانَ يقفُ أمامها، وجسدهُ كانَ ضخماً كالجبل، وعيناهُ حمراوانِ كجمرتين.
"استسلمي." قالَ نيراثُ وصوتهُ يهزّ الفراغ. "لقد خسرتِ."
"لم أخسر." قالتْ إيلورا ونهضتْ ببطء، وكانَ حولها هالةٌ صغيرةٌ من نورٍ ذهبي. "ما تزالُ هناك ذكرى واحدة."
"أيّ ذكرى؟" سخرَ نيراث. "لقد أخذتُ كلَّ شيء، أمكِ، صديقتكِ، حبكِ، حتى اسمكِ."
"لا." قالتْ إيلورا ووضعَتْ يدَها على صدرها. "هناك شيءٌ لم تأخذهُ."
"ماذا؟"
"إرادتي." قالتْ إيلورا وصوتُها كانَ قويًا. "أنتَ تملكُ جسدي، لكنّ روحي لي."
"الروحُ بدونِ جسدٍ..." قالَ نيراثُ وضحك. "هي مجردُ صدى."
مدّ يدهُ نحوها، وبدأَ يسحبُ النورَ الذهبي من داخلها، وصَرَختْ إيلورا من الألم.
لكنّ في تلك اللحظة، سمعتْ صوتًا من بعيد.
"إيلورا!"
كانَ صوتَ كاسيان.
"لا تستسلمي!"
فتحتْ إيلورا عينيها، ورأتْ خيطًا رفيعًا من نورٍ يصلُ بينَها وبينَ العالمِ الخارجي.
"كاسيان..." همستْ. "أنتَ تتذكرني."
"دائمًا." قالَ الصوت.
شعرتْ إيلورا بقوةٍ جديدة، ليسَ من داخلها بل من خارجها، قوةُ الحبِ الذي لا يموت.
"لن أستسلم." قالتْ إيلورا وصوتُها كانَ حازمًا. "لأنّ هناك من ينتظرني."
---
المشهد الخامس: هروبُ الحراس
في المخيم، كانَ آركانُ يقاتلُ ظلالَ فاليريس، بينما كانَ كاسيانُ يحاولُ فهمَ ما يحدث.
"علينا الخروج!" صرخَ آركان. "هذا فخ!"
"لا يمكنني تركها!" صرخَ كاسيانُ.
"لن تستطيعَ مساعدتها إذا مت!" صرخَ آركانُ ومسكهُ من كتفهِ وسحبهُ نحوَ الظلال.
قفزوا في الظلّ قبلَ أنْ يمسكهما فاليريس، ووجدا أنفسهما على تلةٍ بعيدةٍ ينظرانِ منها إلى الغابةِ المدمرة.
"فاليريس..." قالَ كاسيانُ وصوتهُ كانَ محطمًا. "كانَ معنا طوالَ الوقت."
"نعم." قالَ آركانُ. "وهو من خططَ لموتِ أمِّ إيلورا."
"لماذا؟"
"لأنّ الختم..." قالَ آركانُ. "يحتاجُ إلى دمِ الحارسِ ودمِ الوريث، وهوَ أرادَ أنْ يجمعَهُما معًا."
نظرَ كاسيانُ إلى يدِهِ، حيثُ الندبةُ الفضيةُ كانتْ تلمع.
"أنا..." قالَ كاسيان. "أنا جزءٌ من خطته."
"نعم." قالَ آركانُ. "لكنّكَ لستَ أداة، أنتَ حر."
"كيفَ أثبتُ ذلك؟"
"باتخاذِ قراركَ." قالَ آركانُ. "إما أنْ تهرب وتنقذَ نفسكَ، أو تعودَ وتنقذها."
نظرَ كاسيانُ إلى الغابةِ المظلمة، حيثُ كانتْ إيلورا تقفُ وحدها ضدّ العالم.
"سأعود." قالَ كاسيان. "حتى لو كانَ الثمنُ روحي."
---
المشهد السادس: رسالةُ زاركيث
في قصرِ الليلِ الأبدي، كانَ زاركيثُ جالسًا على عرشهِ، والكرةُ البلوريةُ أمامهُ تظهرُ صورةَ إيلورا.
"فاليريس..." قالَ زاركيثُ وصوتهُ كانَ مريرًا. "لقد خدعني."
"نعم." قالَ صوتُ فاليريسَ من داخلِ الكرة. "لكنّكَ خدعتَ نفسكَ أولًا."
"ماذا تعني؟"
"أنتَ لم تحبها." قالَ فاليريسُ. "أنتَ أحببتَ فكرةَ إنقاذها، وأنا أحببتُ فكرةَ تدميرها."
"إيلورا..." قالَ زاركيثُ. "كانتْ آخرَ ما يربطني بإنسانيتي."
"الآن..." قالَ فاليريسُ. "أصبحتْ آخرَ ما يربطكَ بي."
انفجرتْ الكرةُ البلوريةُ في وجهِ زاركيث، وسقطَ على الأرضِ مجروحًا.
"إيلورا..." همسَ زاركيثُ. "سامحيني."
نهضَ ببطء، ونظرَ إلى النافذةِ حيثُ كانتْ السماءُ سوداء.
"لم ينتهِ الأمرُ بعد." قالَ زاركيثُ. "ما تزالُ هناك طريقة."
---
المشهد السابع: القرارُ النهائي
على التلة، كانَ كاسيانُ ينظرُ إلى سيفهِ الفضي، والندبةُ في صدرهِ تلمع.
"آركان." قالَ كاسيان. "هل هناك طريقةٌ لفصلِ نيراثَ عن إيلورا؟"
"نعم." قالَ آركانُ. "لكنّها تتطلبُ تضحية."
"ما هي؟"
"حارسٌ يجبُ أنْ يدخلَ داخلها." قالَ آركانُ. "ويحاربَ نيراثَ من الداخل."
"ومن سيكونُ هذا الحارس؟"
نظرَ آركانُ إلى كاسيان، وصمتَ طويلًا.
"أنتَ تعرفُ الإجابة." قالَ آركانُ.
"نعم." قالَ كاسيانُ. "أعرف."
نظرَ إلى الغابةِ مرةً أخرى، وقالَ بصوتٍ حازم:
"سأدخلُ داخلها."
"قد لا تخرج." قالَ آركانُ.
"أعلم." قالَ كاسيانُ. "لكنّ إذا لم أفعل، ستموت."
"وإذا فعلتَ..." قالَ آركانُ. "قد تموتانِ معًا."
"هذا خطرٌ سأخذه." قالَ كاسيانُ.
نهضَ، ومشى نحوَ حافةِ التلة، ونظرَ إلى السماءِ السوداء.
"إيلورا..." همسَ. "انتظريني، سأخرجكِ من هناك، حتى لو كانَ الثمنَ أنْ أبقى معكِ للأبد."
في تلك اللحظة، بدأتْ الندبةُ في صدرهِ تلمعُ بقوة، وشعرَ بأنّ شيئًا يناديه من داخلِ الغابة.
كانتْ إيلورا.
تنتظرهُ.
---
يتبع في الفصل الحادي والعشرين...
---