RachaRacha2004

شارك على مواقع التواصل

📖 لعنة الظل وقلب الغابة

---

الفصل الثالث والعشرون: صمتُ ما قبلَ الهاوية

المشهد الأول: رمادُ الأحياء

لم تكنْ الشمسُ التي أشرقتْ ذلك الصباحِ دافئة، بل كانتْ شاحبةً كوجهِ ميتٍ غُسّلَ للتو، والضوءُ الذي سقطَ على الغابةِ لم يُزحِ الظلام، بل كشفَ فقط عن حجمِ الكارثة.

وقفتْ إيلورا على حافةِ التلة، لكنّ الهواءَ حولها لم يكنْ نقيًا، بل كانَ ثقيلًا بطعمِ الرمادِ والحديدِ الصدئ. سعلتْ فجأة، وانحنتْ على ركبتيها، وعندما فتحتْ كفَّها لتخرجَ ما في صدرها، لم يكنْ دمًا، بل كانَ رمادًا أسودَ ناعمًا، كبقايا ورقةٍ محترقة.

"هذا ليسْ رمادَ المعركة." قالَ آركانُ وراءها، وصوتُهُ كانَ أجشَ كمن لمْ ينامْ منذَ أيام. وقفَ بجانبها، وعيناهُ الرماديتانِ تمسحانِ الأفقَ بحثًا عن خطرٍ لا يُرى. "هذا رمادُ أرواح."

نظرتْ إيلورا إلى الرمادِ في يدِها، وشعرتْ بقشعريرةٍ زحفتْ من عمودها الفقريّ إلى جمجمتها. "فاليريس..."

"لا تنطقي باسمهِ." قاطعها آركانُ بسرعةٍ غيرِ معتادة. "الأسماءُ هنا تُسمع."

نظرتْ إيلورا حولها، الغابةُ لم تكنْ صامتةً فحسب، بل كانتْ ميتة. الأشجارُ التي نجتْ من المعركةِ كانتْ عاريةً من الأوراق، وكأنّ الحياةَ سُحبتْ منها بقوة، وجذوعها كانتْ سوداءَ كالفحم، تنزفُ صمغًا أحمرَ قانيًا.

"أينَ الجثث؟" سألتْ إيلورا، وصوتُها كانَ يرتجف. "قتلنا عشراتِ الظلالِ هنا، أينَ بقاياهم؟"

صمتَ آركانُ طويلًا، ثمّ أشارَ إلى الأرضِ تحتَ أقدامهم. "لم يبقَ منهم شيءٌ لتراهُ، الأرضُ نفسها أكلتهم."

خطتْ إيلورا خطوةً للخلف، وشعرتْ بأنّ العشبَ تحتَ قدميها ينبضُ نبضًا خافتًا، كقلبٍ يدقُ تحتَ التربة.

"نحنُ لا نقفُ على أرضٍ يا إيلورا." همسَ آركانُ، ويدُهُ على مقبضِ سيفهِ. "نحنُ نقفُ على جثةِ عالمٍ ماتَ للتو."


---

المشهد الثاني: جروحُ المدينة

عندما وصلا إلى حافةِ المدينة، لم يكنْ هناك احتفالٌ بالنصر، بل كانَ هناك هدوءُ المقابر. المباني كانتْ واقفة، لكنّ النوافذَ كانتْ محطمة، والستائرُ ممزقة، وكأنّ السكانَ هربوا تاركينَ وراءهم أنفاسهم.

في الساحةِ الرئيسية، كانتْ ميرالا تقفُ فوقَ منصةٍ حجرية، تحيطُ بها مجموعةٌ من الجرحى. لم تكنْ تعالجهم بالسحر، بل كانتْ تمسحُ جباههم بقطعةِ قماشٍ سوداء، وعيناها تحملانِ حزنًا لا ينتمي لهذا الزمن.

"لا تنفعُ الضمادات." قالتْ ميرالا دونَ أنْ تلتفتَ عندما اقتربتْ إيلورا. "الجروحُ ليستْ في الجسد."

نظرتْ إيلورا إلى رجلٍ جالسٍ على الأرض، يمسكُ ذراعهُ المبتورة، لكنّه لا يصرخُ من الألم، بل كانَ يحدّقُ في الفراغِ ويهمسُ بكلماتٍ غيرِ مفهومة. "ماذا يحدثُ لهم؟"

"العدوى." قالتْ ميرالا والتفتتْ أخيرًا، ووجهها كانَ شاحبًا كالحجر. "ليسَ مرضًا جسديًا، بل عدوى ظلية. من نجا من المعركة... لم ينجُ بالكامل."

"ماذا تعنين؟"

"انظري إلى عينيهم." أشارتْ ميرالا إلى الجرحى.

نظرتْ إيلورا، ورأتْ أنْ بؤبؤَ عيونِ بعضهم كانَ يتسعُ وينقبضُ بشكلٍ مستقل، وكأنّ هناك عينًا أخرى تنظرُ من الداخل.

"فاليريسُ لم يهاجمْ الجسد." قالتْ ميرالا بصوتٍ منخفض. "هاجمَ الذاكرة. هؤلاء... لن يتذكروا من هم بعدَ ساعتين."

شعرتْ إيلورا بأنّ الأرضَ مالتْ بها. "هل يمكنُ علاجهم؟"

"لا." قالتْ ميرالا بصراحةٍ قاسية. "لكنْ يمكنُ منعُ الانتشار."

"كيف؟"

"بقتلِ المصدر." قالتْ ميرالا، وعيناها الثاقبتانِ حدقتا في صدرِ إيلورا.

تراجعتْ إيلورا خطوة، ويدُها غطتْ صدرها غريزيًا. "ماذا تعنين؟"

"العدوى..." قالتْ ميرالا. "تنتقلُ عبرَ الدمِ المختوم، وأنتِ الوحيدةُ هنا من دمها مختوم."


---

المشهد الثالث: همسُ القفص

في تلكَ الليلة، لم تستطعْ إيلورا النوم، جلستْ على سريرها في الغرفةِ المؤقتة، وحدقتْ في السقفِ المظلم.

"أنتِ خائفة." جاءَ صوتُ كاسيانَ من داخلها، لكنّ النبرةَ كانتْ مختلفةً هذه المرة، باردةً بعضَ الشيء.

"ميرالا قالتْ إنّني مصدرُ العدوى." همستْ إيلورا، ويدُها ترتجفُ على صدرها.

"ميرالا..." قالَ الصوتُ، ثمّ صمتَ لحظةً قصيرةً جدًا، كأنّ هناك تشويشًا في الاتصال. "ميرالا تخافُ من كلِ شيءٍ لا تفهمهُ."

"لكنّ الجرحى..."

"الجرحى ضحايا الحرب." قاطعها الصوت. "ليسَ أنتِ السبب."

شعرتْ إيلورا بوخزٍ حادٍ في صدرها، كأنّ إبرةً ساخنةً غُرستْ في قلبها. "كاسيان... هل أنتَ هناك؟"

"أينَ أكونُ غيرَ هنا؟"

"لا أعرف." قالتْ إيلورا، ودمعةٌ ساخنةٌ سقطتْ على خدها. "صوتكَ... يبدو بعيدًا."

"أنا معكِ." قالَ الصوتُ، لكنّ هذه المرة، سمعتْ إيلورا صدىً خافتًا وراءَ الكلمات، كمن يكررُ الكلامَ بعدَ قائلهِ مباشرة. "أنا معكِ... دائمًا."

أغلقتْ إيلورا عينيها، وحاولتْ تجاهلَ الشكّ الذي دبّ في عروقها، لكنّ في عمقِ روحها، استيقظَ شيءٌ آخر.

"هل تشعرينَ بهِ؟" جاءَ صوتُ نيراثَ من زاويةٍ مظلمةٍ في عقلها، وصوتُهُ كانَ يحملُ سخريةً مريرة.

"ابتعد." قالتْ إيلورا ذهنيًا.

"أنا محبوس." قالَ نيراثُ. "لكنّني أرى ما لا ترين."

"ماذا ترى؟"

"أرى..." قالَ نيراثُ، وصوتُهُ انخفضَ إلى همسٍ مرعب. "أرى أنّ القفصَ لم يُغلقْ عليّ وحدِي."

"ماذا تعني؟"

"اسمعي جيدًا يا فتاة." قالَ نيراثُ. "الحارسُ الذي دخلَ لإنقاذكِ... هل تأكدتِ أنّهُ خرجَ وحدَهُ؟"

تجمّدَ دمُ إيلورا في عروقها. "كاسيانُ خرجَ."

"هل رأيتِهِ؟" سألَ نيراثُ. "أمْ شعرتْ بهِ فقط؟"

"اسكت!" صرختْ إيلورا ذهنيًا.

ضحكَ نيراثُ ضحكةً خافتةً، ثمّ اختفى صوتُهُ، تاركًا إيلورا وحدها معَ سؤالٍ بدأَ ينخرُ في عقلها كالأرضة.


---

المشهد الرابع: هديةُ الملكِ المنفي

في منتصفِ الليل، طرقَ النافذةَ صوتٌ خفيف، لم يكنْ طرقًا عاديًا، بل كانَ كصوتِ ظفرٍ على الزجاج.

فتحتْ إيلورا النافذة، فوجدتْ زاركيثَ واقفًا على الحافةِ الخارجية، لكنّهُ لم يكنْ يرتدي عباءتَهُ السوداء، بل كانَ ثوبُهُ رماديًا باهتًا، وعيناهُ البنفسجيتانِ كانتا تحملانِ إرهاقًا عميقًا.

"لا وقتَ لديّ." قالَ زاركيثُ قبلَ أنْ تتحدثَ إيلورا. "الظلالُ تبدأُ بالتمرد."

"تمرد؟"

"ظلالِي..." قالَ زاركيثُ، ومدّ يدَهُ ليعطيها وردةً سوداء، لكنّ بتلاتها كانتْ تذبلُ أمامَ عينيها. "لم تعدْ تطيعُ أمري، هناك يدٌ أخرى تحركها."

"فاليريس." قالتْ إيلورا.

"ربما." قالَ زاركيثُ، وعيناهُ حدقتا في الوردةِ الذابلة. "أو ربما شيءٌ أقدم."

"لماذا أتيت؟"

"لأعطيكِ هذا." وضعَ الوردةَ في يدِ إيلورا، ولمستْ أصابعهُ الباردةُ جلدَها للحظةٍ قصيرة. "إذا ذبلتْ الوردةُ بالكامل... فاعلمي أنّ الوقتَ قد نفد."

"ماذا يعني هذا؟"

"يعني..." قالَ زاركيثُ، والتفتَ للظلامِ وراءهُ. "أنّ هناك ساعةً داخلَ الوردة، لا تعملُ بالوقت، بل تعملُ بالنبض."

"نبضُ من؟"

"نبضُ من يحملُ الختم." قالَ زاركيثُ، ونظرَ إلى صدرها نظرةً غريبة، كمن يودعُ شيئًا ثمينًا قبلَ الموت. "اعتني بها، فهيَ آخرُ مقياسٍ لإنسانيتكِ."

قبلَ أنْ تغلقَ إيلورا النافذة، سمعتْ زاركيثَ يهمسُ بكلمةٍ واحدةٍ لم يفهمْ معناها إلاّ لاحقًا: "سامحيني."

اختفى في الظل، تاركًا إيلورا معَ وردةٍ سوداءَ بدأتْ تتساقطُ بتلاتها واحدةً تلوَ الأخرى، رغمَ عدمِ وجودِ رياح.


---

المشهد الخامس: المرآةُ الكاذبة

في الصباحِ التالي، استيقظتْ إيلورا على شعورٍ بالاختناق، نهضتْ ومشتْ نحوَ المرآةِ في زاويةِ الغرفة.

كانَ وجهُها شاحبًا، والهالاتُ السوداءُ تحتَ عينيها واضحة، لكنّ شيئًا آخرَ لفتَ انتباهها.

رفعتْ يدَها لتلمسَ وجهها، لكنّ اليدَ في المرآةِ لم تتحركْ معَها.

توقفتْ إيلورا، وحبستْ أنفاسها.

في المرآة، كانتْ يدُ انعكاسها ممدودةً نحوَ الزجاج، وكأنّها تحاولُ الخروج، بينما يدُ إيلورا الحقيقية كانتْ بجانبِ جسدها.

"كاسيان؟" همستْ إيلورا، وصوتُها كانَ يرتجف.

في المرآة، ابتسمَ الانعكاس.

إيلورا لم تبتسم.

"من أنت؟" صرختْ إيلورا وخطتْ خطوةً للخلف.

في المرآة، فتحَ الانعكاسُ فمهُ، وخرجَ منهُ صوتٌ لم يكنْ صوتَ إيلورا، ولا صوتَ كاسيان، ولا حتى نيراث.

كانَ صوتًا ناعمًا، هادئًا، يحملُ ثقةً مطلقة.

"أنا..." قالَ الانعكاس. "الجزءُ الذي نسيتموه."

تحطمتْ المرآةُ فجأة، وتناثرَ الزجاجُ على الأرض، وسقطتْ إيلورا على ركبتيها، تمسكُ صدرها حيثُ كانَ النبضُ قد توقفَ تمامًا لمدةِ ثلاثِ ثوانٍ، ثمّ عادَ بقوةٍ مضاعفة، لكنّه لم يكنْ نبضًا واحدًا، بل كانَ نبضينِ متداخلين.


---

المشهد السادس: تقريرُ ميرالا

وجدَ آركانُ إيلورا على الأرضِ محاطةً بالزجاج، وميرالا كانتْ تقفُ فوقها، تفحصُ عينيها بمصباحٍ فضي.

"ماذا حدث؟" سألَ آركانُ وسيفُهُ مشهور.

"فقدانُ وعيٍ مؤقت." قالتْ ميرالا، وصوتُها كانَ خاليًا من العاطفة. "لكنّ العلاماتِ الحيوية... مستحيلة."

"ماذا تعنين؟"

"لها قلبان." قالتْ ميرالا، ونظرتْ إلى آركانَ نظرةً حادة. "نبضٌ بشري، ونبضٌ آخر... قديم."

نظرَ آركانُ إلى إيلورا التي كانتْ تحاولُ النهوض، وعيناهُ تحملانِ رعبًا خفيًا. "هل هوَ نيراث؟"

"لا." قالتْ ميرالا. "نيراثُ صاخب، هذا النبضُ هادئ، كمن ينتظرُ دورهُ."

نهضتْ إيلورا ببطء، ومسحتْ دمًا خفيفًا من شفتها. "أينَ الوردة؟"

"هنا." أعطتها ميرالا الوردةَ السوداء، التي لم يبقَ منها إلاّ الساقُ والشوك.

"كم من الوقت؟" سألتْ إيلورا.

"ليسَ وقتًا." قالتْ ميرالا. "إنّهُ نبضات."

"كم؟"

"عشرة." قالتْ ميرالا. "تبقتْ عشرةُ نبضاتٍ للوردة، ثمّ..."

"ثمّ ماذا؟"

"ثمّ ستنفتحُ البوابةُ من الداخل." قالتْ ميرالا، وعيناها حدقتا في صدرِ إيلورا. "ليسَ من خارجِ الغابة، بل من داخلِ صدركِ."


---

المشهد السابع: الخيطُ المقطوع

وقفتْ إيلورا وحدها في زاويةِ الغرفة، تمسكُ بساقِ الوردةِ الجافة.

"كاسيان." همستْ.

صمت.

"كاسيان، أجبني."

صمتٌ أثقل.

شعرتْ إيلورا بأنّ الخيطَ الذي يربطها بهِ قد انقطع، أو ربما... لم ينقطع، بل امتدَ إلى مكانٍ آخر.

"أنتِ لستِ وحدكِ." جاءَ الصوتُ مجددًا، لكنّه هذه المرة لم يأتِ من صدرها، بل جاءَ من خلفها مباشرة.

التفتتْ إيلورا بسرعة، لكنّ الغرفةَ كانتْ فارغة.

"أنا لستُ في صدركِ." قالَ الصوتُ، وهذه المرة سمعتهُ أذنُها حقيقية، كمن يقفُ بجانبها تمامًا. "أنا في كلِّ مكانٍ تنظرينَ إليهِ."

نظرتْ إيلورا إلى يدِها، فرأتْ أنّ الأوردةَ الزرقاءَ تحتَ جلدها بدأتْ تتحولُ إلى لونٍ فضيٍّ داكن، ينتشرُ ببطءٍ مثلَ الجذور.

"فاليريس..." همستْ إيلورا، وفهمتْ أخيرًا المغزى من كلماتِ نيراث.

لم يكنْ فاليريسُ يهاجمُ من الخارج، لم يكنْ يخططُ للدخول.

هو كانَ بالفعلِ في الداخل، ينتظرُ فقط لحظةَ الضعفِ ليأخذَ السيطرة.

"عشرةُ نبضات." قالتْ إيلورا لنفسها، وشعرتْ بأنّ الوردةَ في يدِها اهتزتْ نبضةً أولى.

"تسعة."

في الخارج، صرختْ طائسةٌ وسقطتْ ميتةً من السماء.

"ثمانية."

في المرآةِ المكسورة، تحركَ ظلُّ إيلورا بشكلٍ مستقلٍ عن جسدها.

"سبعة."

أغلقتْ إيلورا عينيها، وقررتْ أنْ تفعلَ الشيءَ الوحيدَ الذي لم يتوقعهُ العدو.

"إذا كنتَ في داخلي..." همستْ إيلورا، ويدُها قبضتْ على السكينِ الذي كانَ على الطاولة. "فسأخرجكَ."

رفعتْ السكينَ نحوَ صدرها، حيثُ النبضُ المزدوج.

"إيلورا!" صرخَ آركانُ من الباب. "لا تفعلي!"

لكنّ إيلورا لم تسمع، لأنّ الصوتَ في رأسها كانَ يصرخُ لأولِ مرةٍ بصوتِ الخوف.

"توقفي! هذا سيقتلنا جميعًا!"

"هذا..." قالتْ إيلورا، والسكينُ يلمعُ على جلدِها. "هوَ الخيارُ الوحيد."

ضغطتْ.

وقطعتْ الصمت.


---

**يتبع في الفصل الرابع والعشروون.....
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.