📖 لعنة الظل وقلب الغابة
---
الفصل الرابع عشر: يومُ الفداء
المشهد الأول: ثقلُ الصباح الأخير
أطلّ الفجرُ بثوبه الرمادي، حاملًا في طيّاته اليومَ الأخير من العدّ التنازلي. استيقظت إيلورا قبلَ أن يشقّ ضوءُ الشمسِ ظلمةَ السماء، وجلست على حافة السرير، يدها اليمنى ممدودةً أمامها كأنها تمثالٌ صامت.
كان الخاتمُ الفضي يلمع في الضوء الباهت لمعةً باردةً قاسية. فقد دفءَه المعتاد وأصبح كقطعة ثلجٍ قديمٍ تلتصق بالجلد.
لم تعد العلامة على معصمها تنبض مع دقات قلبها، بل أخذت تنبض بإيقاعٍ مستقلٍ أسرع، كأنّها تملك قلبًا آخر ينبض داخل جسدها.
نهضت إيلورا بخطواتٍ ثقيلة واتجهت نحو المرآة.
حدّقت في انعكاسها طويلًا.
عيناها الخضراوان لم تعودا كما كانتا؛ فقد ظهرت فيهما لمعةٌ فضية قوية طغت على اللون الذهبي، وكأنّ معدن الخاتم بدأ يتسرّب إلى روحها قبل جسدها.
همست بصوتٍ خافت:
"ماذا يحدث لي؟"
لم يجبها الانعكاس.
لكن الخاتم نبض مرةً واحدة.
نبضةً باردةً قاسية، كأنها تحذير.
---
نزلت إلى المطبخ.
كانت ليريس واقفة عند النافذة، لا تطبخ ولا تتحرك، بل تحدّق في الغابة كأنّها تقرأ نبوءةً مكتوبةً بين الأشجار.
التفتت ببطء.
كانت عيناها حمراوين متورمتين من السهر.
قالت بصوتٍ مبحوح:
"إيلورا..."
مدّت يدها المرتجفة وقدمت لها ورقةً مطوية.
"وصلت قبل ساعة." قالت. "حملها صقر."
فتحت إيلورا الورقة.
كان الخط أسود حادًا كأنّه حُفر بسكين:
"إذا أردتِ رؤية صديقتك حيّة..."
"تعالي إلى شجرة إلدورا عند الغروب."
"وحدك."
"ومن دون الخاتم."
"وإلا ستموت."
ارتجفت الورقة بين أصابعها.
همست:
"آريسا..."
قالت ليريس بسرعة:
"لا تذهبي. إنه فخ."
"أعلم."
"ستموتين."
"أعلم."
تقدمت ليريس خطوة.
"إذن لماذا؟"
نظرت إيلورا إليها وعيناها تمتلئان بدموعٍ لم تسقط.
قالت بهدوء:
"لأنها صديقتي."
سكتت لحظة ثم أضافت:
"مات أبوها بسببي. لن أتركها تموت أيضًا."
تنهدت ليريس بمرارة.
"زاركيث لا يريد قتلها."
تجمدت إيلورا.
"إذن ماذا يريد؟"
قالت ليريس ببطء:
"يريدكِ أنت."
---
نظرت إيلورا إلى يدها.
كان الخاتم بارداً.
قالت:
"إذا نزعتُه سأضعف."
"نعم."
"وإذا ذهبت بدونه..."
قالت ليريس:
"ستموتين."
ساد صمت طويل.
ثم قالت إيلورا:
"لن أنزعه."
رفعت رأسها بثبات.
"سآخذ الخاتم... وسأقاتل."
نظرت إلى ليريس وقالت بجدية:
"وإذا لم أعد..."
هزت ليريس رأسها بقوة:
"لا تقولي ذلك."
"أقسمي لي." قالت إيلورا.
ترددت ليريس طويلًا.
ثم قالت بصوت مكسور:
"أقسم."
---
المشهد الثاني: طريق الظلال
عند الظهيرة، خرجت إيلورا وحدها إلى الغابة.
لم تخبر كاسيان.
لم تطلب مساعدة آركان.
لأنها عرفت في أعماقها أن هذا الصراع بينها وبين زاركيث وحدهما.
كانت الغابة صامتة صمت المقابر.
لا طيور.
لا حشرات.
لا نسيم.
وكأن الطبيعة كلها حبست أنفاسها انتظارًا لما سيحدث.
كان كلّ خطوة تخطوها أثقل من سابقتها.
الخاتم في يدها صار ثقيلاً كأنه مصنوع من الرصاص.
أما العلامة على معصمها فكانت تحترق بحرارة مؤلمة.
توقفت عند النهر الأسود.
ماءٌ راكدٌ مظلم لا يعكس الضوء.
وضعت قدمها على أول حجر للعبور.
فجأة تحرك الماء.
خرجت منه أصابع ظلٍ سوداء تمتد ببطء نحو الحجر.
قالت إيلورا بحزم:
"لا."
رفعت يدها.
توهج الخاتم بضوء فضي خاطف.
اختفت الأصابع فورًا في الأعماق.
عبرت النهر.
---
وفي الأفق ظهرت شجرة إلدورا.
شجرةٌ عملاقة ذات جذع أسود لامع وأوراق فضية ساكنة.
وتحتها وقف شخص.
زاركيث.
عباءته السوداء تتحرك في ريحٍ لا وجود لها.
وبجانبه آريسا.
مقيدة بسلاسل من الظل.
وعيناها مليئتان بالرعب.
---
المشهد الثالث: سيد الظلال
قال زاركيث بصوتٍ عميق هز الهواء:
"جئتِ أخيرًا."
لم يكن صوته يخرج من فمه وحده، بل بدا كأن الهواء نفسه يتكلم.
قالت إيلورا بثبات:
"نعم."
توقفت على بعد عشر خطوات.
ابتسم زاركيث ابتسامة باردة.
"أستطيع رؤية الخاتم يلمع من تحت كمّك."
ثم قال:
"أعطيني الخاتم... وسأطلق سراحها."
قالت إيلورا:
"أطلقها أولًا."
ضحك زاركيث.
"أنا لست أحمق."
رفع يده.
فاشتدت سلاسل الظل حول آريسا.
صرخت من خلف الغطاء.
"توقف!" صرخت إيلورا.
قال زاركيث ببرود:
"الخاتم. الآن."
تقدّم خطوة.
اهتزت الأرض تحت قدمه.
وتحركت الظلال حوله كالأفاعي السوداء.
---
المشهد الرابع: ثمن الذاكرة
نظرت إيلورا إلى آريسا.
ثم إلى الخاتم.
وتذكرت تحذير كاسيان:
"كلما استخدمت القوة... ستفقدين ذكرى."
رفعت يدها.
وانطلقت موجة فضية من الخاتم.
لكنها لم تصب زاركيث.
بل ضربت السلاسل.
تحطمت سلاسل الظل.
وسقطت آريسا حرة على الأرض.
لكن الثمن بدأ فورًا.
ألمٌ حاد ضرب عقل إيلورا.
وكأن سكينًا ساخنة قطعت جزءًا من ذاكرتها.
اختفت صورة.
صورة آريسا وهي تضحك في المدرسة.
اختفى أول لقاء بينهما.
نُسي.
---
ركضت آريسا نحوها.
"إيلورا!"
نظرت إليها إيلورا للحظة.
لم تعرفها.
ثم عادت الذكرى... لكن باهتة.
همست:
"اهربي..."
---
المشهد الخامس: كسر القيد
ظهر كاسيان فجأة.
قفز من بين الأشجار.
صرخ:
"إيلورا! توقفي!"
لكنها لم تتوقف.
الذكريات بدأت تختفي.
أمها.
المنزل.
الغابة.
كل شيء يبهت.
إلا شيء واحد.
الخاتم.
فتحت إيلورا عينيها.
وقالت بهدوء:
"إذا كان الخاتم يأخذ ذكرياتي..."
قبضت عليه بقوة.
"...فسآخذ قوته."
نظر إليها زاركيث بدهشة.
صرخت إيلورا:
"أنا لست حاملة الخاتم!"
ثم قالت:
"أنا الختم نفسه!"
وضغطت على الخاتم بقوة.
تشققت الفضة.
وخرج منها نور أبيض شديد.
صرخ زاركيث:
"توقفي!"
لكن الأوان كان قد فات.
انفجر الخاتم.
---
المشهد السادس: الحقيقة
انطفأ الضوء.
وفتحت إيلورا عينيها.
كانت على الأرض تحت شجرة إلدورا.
الخاتم اختفى.
لم يبق منه سوى غبار فضي على العشب.
والعلامة على معصمها اختفت.
اقترب كاسيان ببطء.
قال بدهشة:
"كسرتِ الخاتم."
أومأت إيلورا.
نظر إلى عينيها.
"وماذا عن ذكرياتك؟"
صمتت.
بعضها عاد.
لكن باهتًا.
---
كان زاركيث على الأرض.
ينزف ظلًا أسود.
نظر إليها بصعوبة.
وقال:
"لم تنتصري..."
سألت إيلورا:
"لماذا؟"
قال بصوت ضعيف:
"لأن الختم... لم يُكسر."
ثم ابتسم.
"بل انتقل."
"إلى أين؟"
نظر إلى صدرها.
وقال:
"إليك."
ثم أغمض عينيه.
ومات.
---
وضعت إيلورا يدها على صدرها.
شعرت بنبضٍ غريب.
نبض أقدم من قلبها.
نظرت إلى السماء.
وقالت بهدوء:
"انتهى يوم."
ثم همست:
"والآن... تبدأ الحقيقة."
---
يتبع في الفصل الخامس عشر... 📖