RachaRacha2004

شارك على مواقع التواصل

---

الفصل السابع عشر: ظلّ الأرواح

المشهد الأول: حدود العالم المنسي

غابت الشمس وراء التلال البعيدة تاركة خلفها ظلامًا لم يكن ليليًا بل كان أزرق داكن كلون البحر في الأعماق، ووقفت إيلورا على حافة غابة الأرواح وشعرت بالهواء يتجمد حولها كأنه يقطع الأنفاس قبل أن يلمس الجلد. كانت الأشجار هنا مختلفة تمامًا عن غابة إلدورا، فجذوعها لم تكن من خشب بل من عظام متحجرة بيضاء شاحبة، والأوراق كانت رمادية اللون تتساقط كرماد المحارق دون أن تحملها الريح.

"هنا تنتهي حدود عالم الأحياء." قال آركان وصوته كان منخفضًا جدًا كأنه يخاف أن يوقظ شيئًا نائمًا. "كل خطوة بعد هذا الحد تقربنا من عالم الموتى."

نظرت إيلورا إلى صدرها حيث ينبض الختم الداخلي بقوة مضاعفة، وكأن نيراث داخلها يكره هذا المكان ويحاول دفعها للعودة، وقالت بصوت ثابت رغم القشعريرة التي تسري في جسدها: "ليس لدي خيار يا آركان، الخاتم الثالث هنا، وهذا كل ما يهم."

لكن كاسيان لم يكن مقتنعًا، كان يحدق في الأعماق المظلمة من الغابة وعيناه تحملان شكًا عميقًا، وقال: "الخريطة التي رأيتها كانت وهمًا يا إيلورا، زاركيث لا يترك آثارًا بهذه السهولة."

"لا يهم." ردّت إيلورا وبدأت تمشي نحو الأشجار العظمية. "سأبحث حتى لو كان الوهم هو الطريق الوحيد."


---

المشهد الثاني: همسات الموتى

دخلوا الغابة واحدًا تلو الآخر، وصمت المكان كان أثقل من أي ضجيج سمعته إيلورا من قبل، لم يكن هناك حشرات ولا طيور ولا حتى صوت خطواتهم على الأرض الرمادية. لكن الصمت لم يكن فارغًا، بل كان مليئًا بأصوات لا تُسمع بالأذن بل تُسمع بالروح، أصوات أرواح تائهة تهمس بكلمات غير مفهومة.

فجأة ظهرت أمامهم أشكال ضبابية تطفو بين الأشجار، كانت وجوهًا بشرية لكنها باهتة كالدخان، بعضها يبكي وبعضها يضحك بصوت هستيري. حاولت إيلورا أن تتجاهلها لكن واحدة من الأرواح اقتربت منها وهمست في أذنها: "لماذا تبحثين عن الخاتم وهو ليس هنا؟"

توقفت إيلورا وصعقت من الكلمات، والتفتت إلى الروح لكنها اختفت في الهواء، وقال آركان بصوت جاد: "لا تستمعي إليهم، هؤلاء حراس فشلوا في الماضي وأصبحت أرواحهم جزءًا من الغابة، يحاولون خداعك لتضيعي."

"لكنها عرفت ما أفكر فيه." همست إيلورا وصوتها كان يرتجف.

"لأنهم يتغذون على شكوكك." قال كاسيان ومسك سيفه بقوة. "استمري في المشي ولا تلتفتي للخلف."

ساروا لساعات طويلة لم يشعروا بها بسبب برودة المكان التي أجمدت إحساسهم بالزمن، وكانت إيلورا تشعر بأن نبض نيراث داخلها يزداد ألمًا كلما تعمقوا، كأن المكان نفسه يرفض وجوده داخلها.


---

المشهد الثالث: بحيرة الدموع المتجمدة

وصلوا إلى وسط الغابة حيث وجدت إيلورا بحيرة واسعة متجمدة سطحها أملس كالمرايا، وكان الجليد أزرق داكن يمكن رؤية ما تحته بوضوح، نظرت إيلورا إلى الأسفل فرأت وجوهًا متجمدة تحت الجليد، وجوهًا لأشخاص تعرفهم، وجوهًا لأشخاص ماتوا في القصص القديمة.

"هذه بحيرة الدموع المتجمدة." قال آركان ونظر إلى الجليد بحزن عميق. "كل دمعة ذُرفت بسبب الختم تجمدت هنا."

"أين الخاتم؟" سألت إيلورا وهي تبحث حول البحيرة عن أي علامة تدل على وجوده.

"الخريطة أشارت إلى هنا." قالت إيلورا وأخرجت الورقة التي حفظت تفاصيلها من المنصة في الكهف.

لكن المكان كان فارغًا تمامًا، لا منصة، لا نقوش، لا شيء، فقط الجليد والأشجار العظمية والصمت الثقيل.

شعرت إيلورا بخيبة أمل كبيرة كادت أن تركعها، لأن هذا كان الأمل الأخير أمامها قبل أن يستيقظ نيراث بالكامل، وجلست على صخرة قريبة ووضع رأسها بين يديها.

"لقد ضللنا الطريق." همست إيلورا وصوتها كان محطمًا. "زاركيث خدعنا، الخاتم ليس هنا."


---

المشهد الرابع: صوت من العدم

فجأة اهتز الجليد تحت أقدامهم، وتشققت البحيرة بخطوط بيضاء سريعة انتشرت في كل اتجاه، وخرج من وسط البحيرة عمود ضوء أزرق ارتفع نحو السماء ثم اختفى تاركًا وراءه رسالة مكتوبة في الهواء بحرف قديم.

قرأت إيلورا الرسالة بصوت مرتجف: "الخاتم لا يوجد في المكان الذي تبحثين عنه، بل في المكان الذي بدأت منه."

"ماذا تعني هذه الجملة؟" سأل كاسيان ونظر إلى إيلورا.

"المكان الذي بدأت منه..." همست إيلورا وفكرت للحظة، ثم اتسعت عيناها من الصدمة. "إنها لا تعني غابة الأرواح، ولا كهف الهمسات."

"إذن أين؟" سأل آركان.

"إلدورا." قالت إيلورا ونهضت بسرعة. "الشجرة التي بدأت عندها كل شيء، الشجرة التي وقفت تحتها في اليوم الأول."

"لكننا بحثنا تحت الشجرة من قبل." قال كاسيان.

"لم نبحث في الداخل." قالت إيلورا ووضع يدها على صدرها حيث ينبض الختم الداخلي. "الختم الداخلي يتفاعل مع شيء هناك، شعرت به منذ أن خرجنا من الكهف."


---

المشهد الخامس: فخ الزمان

في تلك اللحظة، سمعوا ضحكة عالية هزت أغصان الأشجار العظمية، وظهر زاركيث على سطح البحيرة المتجمدة لكنه لم يكن بجسد بشري بل كان كتلة من الظلال الكثيفة التي تتشكل وتتبدد باستمرار.

"أحسنت يا إيلورا." قال زاركيث وصوته كان يأتي من كل اتجاه. "لقد وفرت علي عناء البحث."

"أين أنت حقًا؟" صرخت إيلورا واستعدت للدفاع.

"أنا هنا." قال زاركيث وأشار إلى الظلال حولهم. "في كل ظل ترونه، في كل همسة تسمعونها."

تجمعت الظلال حولهم وبدأت تتشكل إلى وحوش صغيرة تحمل سيوفًا من دخان، وقال زاركيث: "لن أقتلكم الآن، لأنني أريد أن أراكم تركضون نحو مصيركم بأنفسكم."

"ماذا تعني؟" سأل آركان وشهر سيفه.

"تعني أن الخاتم في إلدورا..." قال زاركيث وابتسم ابتسامة مرعبة. "لكن الوصول إليه سيتطلب ثمنًا لا تستطيعون دفعه."

اختفى زاركيث فجأة تاركًا وراءه الظلال تهاجمهم، وصرخت إيلورا: "علينا العودة إلى إلدورا الآن!"

"هذا بعيد جدًا!" صرخ كاسيان وهو يصد هجوم ظل حاول الاقتراب من وجهها.

"سنجد طريقة." قالت إيلورا واستخدمت قوة الختم الداخلي لتفجير موجة ضوء دفعت الظلال بعيدًا، وشعرت بألم حاد في صدرها كأن ضلعًا قد انكسر.


---

المشهد السادس: العودة المستحيلة

ركضوا نحو مخرج الغابة والظلال تلاحقهم ككلاب مسعورة، وكانت إيلورا تشعر بأن قوتها تنفد بسرعة لأن استخدام الختم الداخلي في هذا المكان الملون بالموت كان يستنزف روحها قبل جسدها.

عندما خرجوا من الغابة، كانت الشمس قد بدأت تشرق للمرة الثانية، أي أنهم قضوا ليلة كاملة في مكان لم يستغرق الوصول إليه سوى ساعات قليلة، وقال آركان بصوت متعب: "الزمن هنا مختلف، لقد أضعنا يومًا كاملًا."

"باقي خمسة أيام." قالت إيلورا ونظرت إلى يدها حيث كانت الندبة الفضية تلمع بلون أحمر داكن. "علينا العودة إلى إلدورا قبل الغروب."

"كيف سنصل في هذا الوقت؟" سأل كاسيان.

"سأستخدم الختم لنقلنا." قالت إيلورا رغم أنها عرفت أن الثمن سيكون باهظًا.

"لا!" صرخ آركان. "هذا قد يوقظ نيراث قبل الأوان."

"ليس لدي خيار." قالت إيلورا وأغلقت عينيها وركزت على صورة شجرة إلدورا في ذهنها، وشعرت بأن شيئًا داخل صدرها استجاب لندائها.

انفجر ضوء أبيض حولهم، واختفت غابة الأرواح في لحظة، ليجدوا أنفسهم أمام شجرة إلدورا الضخمة التي كانت تنتظرهم بصمتها الأبدي.


---

المشهد السابع: الجذر المخفي

وقفت إيلورا أمام الشجرة وتدفقت دموعها دون أن تشعر، لأنها شعرت بأن الشجرة تعرف سرًا لم تخبرها به من قبل، وضعت يدها على الجذع الأسود المتلألئ، وفجأة توهج الجذع بنفس لون ندبتها الفضية.

"إنها تستجيب لي." همست إيلورا وصوتها كان مليئًا بالدهشة.

"لأن الخاتم الثالث..." قال صوت جاء من خلفهم.

التفتوا ليجدوا فاليريس يقف تحت ظل الشجرة وعيناه تحملان حزنًا عميقًا، وقال: "لم يكن مفقودًا أبدًا، لقد كان ينتظر الوريث الحقيقي."

"أين هو؟" سألت إيلورا بصوت لهثان.

أشار فاليريس إلى جذور الشجرة التي بدأت تتحرك ببطء لتكشف عن تجويف صغير في الأسفل، وقال: "الخاتم ليس في التجويف، بل التجويف هو المفتاح لما تحمله أنت."

نظرت إيلورا إلى صدرها، ثم إلى الشجرة، وفهمت في تلك اللحظة أن الرحلة لم تكن للبحث عن خاتم، بل كانت رحلة لتقبّل الحقيقة.

لكن الحقيقة كانت أثقل من أن تتحملها وحدها.


---
يتبع في الفصل الثامن عشر....
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.