خرج من المطبخ يجفف يده بالمريول وقد شعر بارتفاع دمه الى رأسه و وجهه كان أحمرا من الحرارة. حينما وجد الصالة فارغة، وأدرك ان أخواته الأربعة كل منهن لعلها تكون في غرفتها، صاح يحيى بغضب :
"انا مش فاهم البيت فيه خمس ستات وانا الوحيد اللي بغسل مواعين!"
ما ان سمعت فاطمة اخته صاحبة التسعة عشر أعوام والتي تكبره بعامين صياحه ذاك حتى خرجت من غرفتها وذهبت له.
كانت تضع سماعة بلوتوث في اذنيها، خلعت واحدة بينما كانت تمسك هاتفها بيدها اليسرى وقالت بإستخفاف غاضب :
"في ايه يلا؟... ما احنا اللي بنطبخ، ولا مش عاجبك؟.. عاوز تاكل وبس زي البروطة؟.. لا يحبيبي معندناش حد يقعد بدون فايدة"
مضغت علكتها بعدها ثم عادت من حيث أتت تاركة إياه في الصالة يواجه بلل قدميه من مياه حوض المطبخ.
غلت الدماء في عروقة، تأفف ثم خلع المريول بعصبية مما أدى لتمزق رباطه دون قصد، لم يهتم، ألقى المريول على الأرض وغادر هو ايضا الى غرفته عازما ان تكون هذه اخر مرة يغسل بها الصحون بعد الغداء. أصبحت الصالة ذات الأثاث الذي يجمع بين التصاميم القديمة والحديثة فارغة وصامتة، عدا فقط صوت تكات العقارب الذهبية لساعة الحائط السوداء.
دخل غرفته، تلك الغرفة التي عاش بها منذ صغره. نظر لساعة الحائط التي كانت على شكل اسبونج بوب فوجدها تشير الى الثامنة مساء. نظر الى مكتب دراسته الأزرق، ثم الى كرسيه الدوار الاسود. كانت كتبه مصطفة على المكتب فوق بعضها البعض.
لغة عربية، انجليزي، فرنساوي، تاريخ، جغرافيا...
تنهد بضيق وعاوده شعور الحبل الذي يلتف حول قلبه وكأنه يريد خنقه. هكذا كان يوصف شعور الضيق ذاك الذي اصبح يراوده من سته أشهر دون علم احد. لم يكن ضيقا من توبيخ اخته فاطمة له. ولا من عدم فهم أخته سهيلة الكبرى له و التي تكبره بأربع أعوام. ولا ضيقا من رسم اخته نور الصغرى ذات الثمانية اعوام على كتاب الفلسفة الخاص به. ولا ضيقا من اخته التي تصغره بخمسة اعوام. رحمة التي يزعجه شكلها وتصرفاتها بسبب وبدون سبب.
تقدم نحو نافذة غرفته، كانت ستائرها السوداء تتراقص بفعل الهواء. ازاح الستائر ولم ينتظر ان يدخل الضوء. كانت الشوارع بالخارج مظلمة لكن الهواء أنعش رئته وقلبه المنقبض قليلا. نظر الى الساعة مجددا.. وفكر للحظات، فهو على حسب العادة تبقى ٥٥ دقيقة على عودة والديه من عملهما.
نظر الى كتبه مجددا... شعر بأن حلمه اصبح في هاوية الضياع، فهو منذ اربعة أشهر لم يعد يستطيع الدراسة جيدا... اصبح يشعر فقط انه مجبر.. مجبرعلى كل شيء.. حتى تمثيل الحياه وانه بخير!.؛ وصل لمرحلة ان يجر نفسه كي يدرس.. دمعت عينه.. مسحها بسرعة لكن سرعان ما خانته الأخرى فهوى على الأرض يبكي بدون سبب واضح!.
لم يكن يعرف لماذا يبكي. كل ما يعرفه أن صدره أصبح أضيق من أن يحتمل يومًا آخر مثل هذا. دموعه تتساقط على الأرض، فتختفي في خيوطها دون أن يلحظها أحد.
باب غرفته كان مغلقا كان قد علق عليه صورته كشخصية ضابط وذلك بواسطة الذكاء الاصطناعي. كان أيضا يعلق عليه اوراق صغيرة بها كلمات تحفيزية ان يستمر ويكمل طريقه ليحقق حلمه ويصبح شرطيا. كل هذه الاحلام أصبحت وراءه الآن. يريد حلمه لكنه يقف مكانه لا يفعل شيء ولا يستطيع!. كان وحده في غرفته يبكي ساجدا على السجادة الناعمة الحمراء والمزينة باللون البني ايضا دون معرفة احد او حتى دون أن يشعر به احد...
بعد ربع ساعة في هدوء تام كما بكى، نهض متجها الى حمام يلحق غرفته. لم يحتج ان ينزل لحمام الأسفل فيقابل احدى أخواته، فضّل ان يستخدم المجاور له وفقط. كي يتجنب أيضا اي تعليق من احداهن عن سبب تورم واحمرار عينيه هذا.
بماء بارد غسل وجهه، زفر نفسا ببطء. ومسح شعره محاولا اخفاء اثر ملامح البكاء ثم توجه سريعا الى غرفته. دخل الغرفة، أقفل الباب بالمزلاج في صمت تام. كان يعلم ان أختاه نور ورحمة نائمتان الآن، بينما أخته فاطمة لا شك انها منشغلة بمتابعة الانمي، واخته سهيلة لا شك انها كعادتها الآن تشرب الشاي وتكتب في رواياتها.
هذه كانت عادة الأربع اخوات دوما في كل يوم ينتهوا به من تحضير وتناول الغداء. تنهد مجددا في ضجر. كانت عينيه حمراوتان. شعر بعدم رغبة وعدم مقدرة على الدراسة لإمتحان الغد، فتوجه نحو سريره ذا الفراش الأبيض والناعم. وإستلقى بهدوء يتحسس برودته، ثم سرعان ما غطى في نوم عميق خلال لحظات.