عاد الى المنزل. فلمح الصحن على السفرة فأدرك أنه من المفترض أن يكون فطوره. لكنه شعر بعدم رغبة في الأكل، فتجاهل الصحن وذهب الى غرفته. الام كانت بالخارج فهو وقت عملها وكذلك والده. اخته الكبرى ليست موجودة فهي ذهبت الى كليتها الطبية. وأختاه الصغيرتين كل منهما الآن في مدرستهما. غادر الجميع فلم يبقى احد في المنزل سوى اخته فاطمة وهو.
بعد ان صعد لغرفته أغلق بابه وتوجه الى الدولاب ثم وضع حقيبته. نظر الى مرآة باب الدولاب الداخلية، فتذكر ما حدث معه في النادي صباح اليوم. كانت الساعة تشير الى الثانية عشرة. تقريبا هو ذات الوقت الذي تعرض فيه لإعتداء حينما كان صغيرا من احد المجرمين. شعر بإنقباضة في قلبه وتسلل العرق الى جبينه وارتجف للحظة. تسارعت انفاسه بمجرد ان تذكر ذاك اليوم المأساوي. كان طفلا في الصف السادس الإبتدائي حينما قرر احد المجرمين الميدوفيليين ان يتخذه ضحية.
هز رأسه نافيا وكأنه يحاول طرد المشهد من أمامه. إتجه الى الحمام بعدها، غسل وجهه بماء بارد لكن وجهه كان شاحبا. ابتسم ابتسامة مرتعشة. فهو على الاقل هذا اليوم استطاع الدفاع عن نفسه قبل ان يتكرر الماضي مجددا. شهيق.. زفير... أخذ نفس وأخرجه ببطء. سرعان ما تماسك وهدأ، هو قد إعتاد على هذه النوبة التي تأتيه كل مرة حينما تدق الساعة الثانية عشر ظهرا. إتجه نحو الدولاب، اخرج ثياب نظيفة. ومن ثم قرر أن يأخذ دشا يزيل عنه ارهاق هذا اليوم.
● ● ●
في الأسفل، عادت السيدة سمية من عملها. وجدت المنزل هادئا كالعادة. مرت على المطبخ في طريقها فوجدته فارغا. الصحون كانت قد غسلت جميعا. والبوتجاز يلمع من نظافته والطاولة الرخامية ترتص عليها الصحون في إنتظار أن تجف. سارت بقية خطواتها غاضبة متجهة نحو غرفة يحيى.
دخلت الغرفة وصادف في ذات الوقت خروجه من الحمام مرتديا ملابس نظيفة ومريحة، وكان شعره مبللا. ضاقت عيناه عندما وجد والدته دخلت هذه الدخلة الهجومية وأدرك أنها ستوبخه الآن.
"يحيى انت كيف تخلي درجاتك متدنية كدا؟"
كاد ان يفتح فمه فقطعت مكملة كلامها :
"يعني انا ارجع من الشيفت ألاقي مستر el Arabic يقولي ابنك مهمل المادة وجايب درجة زفت؟"
"ماما..."
"متقولش ماما!." ثم مسحت دمعة تمثيلية من عينها وقالت : "انا مش عارفة ازاي أبص في وش مدرسين السناتر وهم مضايقين منك ومن درجاتك كدا!"
كان يحيى أطول من والدته، لكنه كطيلة حياته لا يزال يحافظ على احترامه لها رغم معاملتها القاسية قليلا له في بعض الأوقات والتي ستجعل أي مراهق في مثل حالته ينفجر غضبا في وجهها. لكنه ظل صامتا فقط يشعر بالندم يحرقه. لا يعرف من أي شيء بالظبط. ولكنه شعور بالذنب على كل شيء وفقط. و على الرغم من ان السيدة سمية كان الافضل لها ان تحتوي حالته بدلا من ان توبخه، لم تكتفي فقط بإلقاء كلماتها القاسية تلك. رمقته بنظرة سخط وعدم رضا. ثم اتجهت في صمت دون ان تتحدث بينما الآخر كان يراقب حركتها فقط. توجهت نحو مكتبه الأزرق. امسكت هاتفه الSamsung Galaxy ثم ضغطت زر إغلاق التشغيل قائلة : "كله بسبب الموبايل، انا هريحك، وعارف لو ما اهتميت بدراستك اكتر، انسى تشوف الموبايل دا!"
في ذات الوقت عاد مصطفى والد يحيى. كان مرهقا ومتعبا من عمله. كان يشعر بحرارة في جسده. وكان وجهه أحمرا من الشمس. تنهد بتعب، سمع صوت زوجته سمية توبخ يحيى...
في الأعلى عندما أدركت سمية وصول زوجها رمقت يحيى نظرة غاضبة وقالت : "اهو ابوك جه، خليه بقا هو اللي يتصرف معاك"
دفع مصطفى الباب ودخل قائلا : "في ايه يا وليه صوتك جايب اخر الشارع"
"شوف ابنك يا استاذ، مهمل دراسته والمدرسين يشتكوا لي منه، انا فاضيه لإيه ولا لإيه. دا ايه وجع الدماغ دا مفيش حد هنا بيقدر حد ولا يعمل واجباته"
رمق يحيى بنظرة وعيد وجحظت عيناه قائلا : "شايف.. شايف وصلت امك لإيه؟"
خرجت سمية بعدها من الغرفة بعدما شعرت ان جدرانها الأربعة اصبحت تضيق عليها اكثر من تضييقات مشاكلها التي تواجهها في عملها كطبيبة في مستشفى القصر العيني.
"احترم نفسك وما تضايقش امك مش عاوزينها تقعد تتخانق كل شوية" ، ثم جحظت عينيه أكثر وقهقة بسخرية لا تتناسب معه كرب أسرة : "اصل انا مش عاوز اضربك يا عم يحيى"
غادر بعدها الغرفة. ظل يحيى في الغرفة على وجهه علامات الغضب والإشمئزاز، وفكرة واحدة فقط هي التي تدور في عقله.
"انا عبء"
أقفل بعدها ضوء غرفته. ولم يخرج كي يعتذر ككل مرة اعتاد بها الاعتذار كلما غضبت والدته منه. شعر بشرارة تمرد بداخله ورغم ذلك أشواك حبل الذنب تلتف حول رقبته فآلمته الغصة في حنجرته. ظل واقفا للحظات وما ان أنهى من تعتيمه لغرفته إتجه لسريره وانزلق تحت لحافه. مرت لحظات، شعر بعدها بتعرق جسده وتبلل عينيه كان صامتا يحدق في دوائر وهمية بالسقف. السقف و والوحدة من حوله هما صديقاه المفضلان. هما من يظلا معه في صمته. وهما من يشهدا ايام بكائه وحده. هما من يشهدان نوبات الهلع التي يواجهها شبه يوميا ثم يخرج بعدها من غرفته وكأنه لم يحدث شيئا، وهما لن يرفضا وجوده يوما. بدأ الإرهاق يتسلل إليه. ليس ارهاق من تعب يوم طويل. انما من طيلة استمرار تمثيليته هذه انه بخير. و انه لا ينزف ألما كلما صار وحده. تقلب في فراشه كمحاولة يائسة أن يمحو الفكرة من عقله. الظلام يلتف من حوله وفجأة عادت الافكار. فكر للحظات.. "بما انني عبء" "وشكلي كدا مش نافع حد" "وكمان ماما وبابا النهارده قالوا انهم مش بيحبوني" "اني بعمل دوشة" "اظن اني لو مشيت هريحهم" "اظن انهم مش هيتأثروا" "انا متأكد، هما لو بيحبوني مكانوش عاملوني كدا" "هم بيكرهوني وشايفيني دوشه، سهيلة بتزعق لي ع الراحة واللي جاية" "فاطمة بتهينني" "مفيش حد حاببني"
شعر بإزدياد الغصة في علقه وكأنها تخنقه. إنهمرت دموعه في صمت فبللت وسادته. دفن رأسه تحت الوسادة مفكرا بجدية أن ينهي حياته خنقا. ضغط الوسادة على رأسه بيده.
مر الوقت. لا ندري كم من المدة والافكار كانت تدور في عقله كعجلة ملاهي لا تتوقف. لكنه سرعان ما بدأ يشعر بالإنقباضة في صدره. شعر وكأنه يختنق. مجرى الهواء لم يعد سهلا ان يندفع الهواء بداخله. أزاح الوسادة بسرعة خوفا. حاول أخذ أنفاسه بسرعة، كان يلهث. عادت دموعه تنهمر فأخفت جفاف دموعه السابقة على وجنتيه. حاول أخذ انفاسه، شعر بألم في صدره وإرتجفت يده ثم شفتيه، ثم جسده بالكامل. أزاح الغطاء عنه، لقد تبلل من العرق. إتجه بسرعة نحو الحمام. غسل وجهه، وتوضأ. جفف جسده ولا يزال أثر الرجفة باقيا في يديه كلما أدرك الموقف... كاد ان يموت...
شفتيه كانت زرقاء. شعر بندم وبالذنب أكثر. هو نعم يريد نعم ان ينتهي. هو نعم يرى ان موته سيخلصه من هذا. لكن تجربة ان يحتضر فعلا كانت أرعب مما تصور. لا يريد ان يقتل نفسه لكنه يريد ان ينتهي. هو يعلم انه حرام في الدين ان يقتل نفسه. وربما هذا الشيء هو الوحيد الذي يولد شعلة الخوف بداخله كلما راودته فكرة إنتحارية.
فرش سجادة الصلاة. وقرر ان يصلي لعله يهدأ. وبعد أن إنتهى من صلاة ركعتين كتوبة عن محاولته تلك. شعر بألم وارهاق اكثر مما كان عليه. وكأن البطارية قد نفدت من الشحن تماما. نام بعدها نومه عميقة من كثرة إرهاقه و بعد ان تحسن تنفسه قليلا.
● ● ●
في الأسفل كان الهدوء يعم المنزل. كانت سمية في المطبخ تطبخ وهي غاضبة. غضب من كل شيء. غضب من مشاكل عملها. وغضب من تدني درجات ابنها وغضب من قسوتها عليه. وغضب من زوجها الذي يجلس في شرفة المنزل الواسعة الآن. يجلس على كرسي بلاستيك بني اللون وأمامه طاولة. كان يقرقع ويشرب كاسته من الويسكي المفضل له. نعم هي تعلم ان زوجها يشرب الخمر. وكذلك البنات الأربع و يحيى ايضا. وهي منذ ان علمت انه يشرب الخمر. طلبت منه الطلاق. لكنه رفض و وعدها ألا يعود للشرب. لكنه ها هو ذا يعود.. بعد كل مرة يغضب فيها او يواجه مشكلة. لا يذهب لحلها. بل يذهب الى الشرفة ويجلس يشرب الخمرة في طراوة ورواق.
كانت تقطع البصل وعيناها تدمعان. ليس من البصل فحسب، بل من حياتها هذه التي تراها صعبة. تشعر انها مسؤولة عن الجميع. لكن الجميع منحرف عن سيطرتها ومنفلت من تحت أصابع يدها. إنهمرت بقية دموعها فبكت. بكت أسفا على حالها هذا ان تضيع عمرها في التربية والرعاية وفي النهاية تجد هذه ثمار تعبها!. ثمار اغلبيتها بها تعفن.