صباح يوم الأربعاء ١٢-٧-٢٠٠٩
كان في غرفته يحاول الدراسة. ذاك اليوم كان قد استيقظ مبكرا من الفجرية. قلق ليلة أمس عدة مرات الى ان انتهى به المطاف ان يقرر مغادرة سريره. صنع له كوب قهوة تركية. شرب القهوة وجهز كتبه والمكتب والكرسي والشيء الوحيد الذي تبقى له ان يفعله وهو الدراسة، لم يفعلها!. بالكاد اصلا يستطيع التركيز!. فصوت شجار والديه واختيه الصغيرتين غطى على صوت ترديده للمعلومة!. نهض من كرسييه متأففا في ضجر. فتح الباب وصاح : "يجماعة والله ما هينفع كدا مفيش ربع كلمة عارف ادرسها"
أتاه صوت والدته تصيح بغضب : "امشي روح ذاكر في اي حته تانيه"
صفع الباب في عنف وغضب، فأين يذهب من هذه الضجة؟.
خطرت له فكرة حينها.. توجه الى مكتبته. احضر حقيبة الظهر. وبدأ يضع بها كتبه وأدواته. بدل ملابسه. وضع عطره المفضل، ماركة A P E E K ثم ارتدى كاب اسود على رأسه وإرتدى حقيبته. خرج من الشقة تاركا الضجة خلفه. قرر ان يذهب يكمل دراسته في أي مقهى يكون مناسب. كان الجو في الساعة السابعة صباحا هادئا. الورود تزين الأشجار. مر على محل ورود كان اسمه "ماندرين قوبدر". فتن بجمال الورود ذات الالوان المختلفة. باقات الزهور ترتص خلف بعضها البعض وكأنه في حديقة ورد مصغرة. قرر ألا يضيع وقته في تأمل الوقت. هذه الفترة الوقت ليس بصالحه فقد اقتربت اختبارات الفصل الدراسي الثاني.
وصل الى ريش كافيه CAFÉ RICHE. كان مقهى أبوابه مصنوعة من الخشب والعنوان كان باللون الأحمر له إطار ذهبي اللون. دخل المقهى. كان باردا. لا يوجد به كراسي، إنما أريكات مبطنة بقطن ومريحة. الطاولات عبارة عن أقراص ذهبية. السقف به مصابيح ذات تصاميم قديمة ومعلقة. كان هناك لوحات لشخصيات تاريخية مهمة معلقة تزين الجدران. اختار مكانا بعيدا عن مدخل الناس، جلس بعدها على الأريكة تحسس القماش تحت كفه. ثم زفر ببطء وأخرج كتاب اللغة الفرنساوي وأقلامه.
مرت ربع ساعة، اقترب منه نادل كبير في السن وقال بأدب رائق : "بنجور.. اي طلب؟"
ابتسم يحيى ابتسامة خفيفة، ثم قال : "ممكن قهوة"
"سادة؟"
"ممكن لو بلبن"
"عندنا كريمة تحب ولا لا؟"
"تردد يحيى لثانية ثم قال : "تمام"
كتب النادل الطلب في دفتره ثم قال : "عاوز اي تحلية؟"
"ايه المينيو؟"
"عندنا كنافة بالقشطة، وبسبوسة وصوابع زينب ولقمة القاضي وكيكات"
"خلاض ممكن كنافة"
"تمام"
غادر بعدها النادل. فعاد يحيى يكمل دراسته. وبعد عشر دقائق عاد النادل ومعه الطلب، شكره يحيى فابتسم النادل وغادر.
مرت ساعة. وخلال هذه الساعة انضم فيها زبونان آخران، كانا زوجان. كان المكان هادئا. دخلت فيروز الكافية حاملة لجهاز اللابتوب الخاص بها. كانت ترتدي فستان فاتح أخضر وكان مزين بنهايته من الاسفل بورود بيضاء. كانت تجعل شعرها مربوطا في هيئة ذيل حصان وبعض خصلات شعرها حرة. دخلت الكافية وكأنها أميرة من دينزني هاربة لتدخل مقهى في إحدى شوارع الزمالك!.
لمحت شابا منكفئا على نفسه في آخر زاوية. ضاقت عينها في دهشة عندما أدركت ان الصدفة جمعتها بيحيى في نفس المكان!. لاحظت هدوءه وتركيزه في كتابه وكأنه منفصل عن من حوله ومنغمس في عالم آخر. كان يضع كاب اسود على رأسه أخفى به بعض ملامحه لكنها مع ذلك رأت بشرته البيضاء المحمرة قليلا.. لربما من البكاء؟
لوهلة شعرت أنه شخص مختلف. شعرت بفضول يولد بداخلها إتجاهه. اقتربت منه بخطوات خجولة كان قلبها مع كل خطوة يزداد نبضة أكثر.
وقفت أمامه، فرفع رأسه وما ان رأآها حتى ضاقت عينيه في دهشة. كانت آخر شخص يتوقع رؤيته هنا وفي هذا الوقت!.
"ممكن اقعد لو مش هزعجك؟"
توتر لحظة وكأن عقله يحلل السؤال، لكنه سرعان ما اجاب : "اه طبعا اتفضلي"
جلست. وكان بينهما مسافة.
كانت فيروز تحدق أمامها. قالت : "انت هنا شكلك بتذاكر؟"
هز رأسه دون اجابة. أطالت نظرها في غلاف كتابه ثم قالت : "نفس كتابي، مكنتش اعرف انك بتالتة ثانوي"
اتسعت عيناه وقال بصوت بهدوء : "ولا حتى انا"
"الامتحانات قربت، خلصت حاجة من المنهج؟"
"لسه بس بحاول"
"كويس.." نظرت له للحظات.. ثم قالت : "انا جيت عشان كنت بحضر لملخص وحدتين في الفرنش وكنت عاوزه هدوء، مكنتش متوقعة انك تكون هنا"
"يمكن صدفة"
ابتسمت وقالت : "او قدر"
ساد الصمت للحظات، لم يطيل نظره لها.. ثم سألته فجأة:
"إنت كويس يا يحيى؟"
لم يجب فورًا.
بقي ينظر إلى الكتاب للحظات طويلة، ثم قال:
"آه… كويس."
هزت رأسها قليلًا وقالت بهدوء:
"أنا حاسة إنك بتقول كدا بس."
إلتفت إليها أخيرًا. كانت تنظر إليه بجدية، دون سخرية أو مزاح.
قال بعد تردد:
"ليه شايفة كدا؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
"عشان أنا طول الوقت بشوفك ساكت… حتى لما الناس حواليك بتضحك."
سكت لحظة. ثم أضافت بصوت أهدأ:
"وكمان… عينيك مش بتضحك زي بقية الناس."
لم يعرف يحيى ماذا يقول. لم يحدث أن قال له أحد شيئًا كهذا من قبل. نظر بعيدًا مرة أخرى وقال:
"يمكن أنا بس تعبان شوية."
قالت فيروز:
"طيب لو في يوم حبيت تتكلم… أنا كويسة في السمع."
ثم فتحت جهاز اللابتوب الخاص بها وبدأت تركز في دراستها.
بعدها..
بقي يحيى جالسًا مكانه للحظات… ينظر أمامه.
لأول مرة منذ فترة طويلة، شعر أن أحدًا لاحظ وجوده فعلًا. نظر إليها بطرف عينيه ثم ابتسم... كانت فيروز منشغلة لم تلحظ شيء.
● ● ●
بعدها مرت ساعتان. وقرر الإثنان ان يعودا للمنزل. لملم يحيى أغراضه ودفع ثمن طلبه. و ودع فيروز ثم خرج بعدها من المقهى ببطء، والهواء الصباحي البارد يلامس وجهه..
شعر بثقل خفيف انزاح من على قلبه. شعر بهدوء وبكل نفس يدخل لرئتيه. أثناء سيره كاد ان يخرج هاتفه من جيبه بحكم العادة لكنه تذكر انه قد سحب منه. تنهد واضعا يداه في جيبيه. لكن فجأة استوقفه تشبث احدهم في طرف ثيابه. إلتفت فوجده طفلا صغيرا. لربما بالسادسة من عمره. كانت عينا الطفل حمراء اللون. فأدرك ان الصغير كان يبكي. كان الطفل يرتدي ثياب مدرسية. كانت نظرتا الطفل مرتعشة غير ثابته. فشعر بمدى الخوف الذي يعتري قلبه الصغير..
"عمو ممكن توديني لماما؟"
اتسعت عينا يحيى في استغراب من منادة الطفل له ب"عمو". ابتسم لهذا الاسم فهذه اول مرة يناديه أحد هكذا. وضع يده على رأس الصغير مقررا ان يأخذه لقسم الشرطة وهم لا شك انهم سيتصرفون. سار مع الطفل شاعرا بسعادة غريبة. لربما بسبب انه يساعد احد، انه سيستطيع ان يوصل هذا الصغير التائه الى والدته. انه لا شك سيفرح قلب والدته الحزينه عليه الآن!. شعر لوهلة ان له قيمة وهدف!.
من بعيد. كانت فيروز تراقبه. لم تسمع الحوار لكن من منظر المشهد من بعيد فهمت الامر. رأت ابتسامته للطفل و لم تكن تعرف لماذا شعرت بالراحة عندما رأته يبتسم هكذا للطفل.. رأت نزوله على ركبته كي يصل الى طول الطفل الذي كان يصل الى نهاية قميصة. لوهلة شعرت بسعادة فارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لا إرادية. وأدركت لوهلة انه خلف هذا الشخص الهادئ... انسان حساس للغاية!.