SalmaHamdy1

Share to Social Media

في ذاك المساء، كان أسعد مساء بالنسبة ليحيى. كانت الساعة قاربت الحادية عشر وله ساعتان منذ ان أتى منزل خاله.
كان منزلا بسيطا ورائقا في ذات الوقت، ليس به الكثير من الاشياء. يوجد سريران ويوجد مكتب وكرسي في الغرفة. وفي الصالة يوجد اريكتان بنيتان اللون وسفرة طعام سوداء. يوجد ايضا تلفاز وشرفة ومطبخ صغير الحجم.
الوان الغرف كانت تجمع بين الرمادي والبني والتركوازي وقليلا من اللون البيج. عندما دخل يحيى المنزل استطاع بسهولة شم رائحة البخور التي تفوح في كل أرجاء المكان. 
في نهاية اليوم وقبل معاد النوم. كان كلا من الاثنان يستلقي على السرير الخاص به يحدق في السقف.
"لسه ما نمتش؟"
أجاب يحيى بهدوء : "لسه"
ساد الصمت للحظات ثم سأل الخال : "طيب، ايه اكتر حاجة بتحب تعملها؟"
ساد الصمت للحظات، حاول يحيى البحث عن الاجابة لكن الافكار هربت، وبعد تردد : "معرفش.. يمكن القراءة؟. احب السباحة برضوا."
لم يود ان يقول انه ايضا يحب الاستماع للاغاني خشية ان يحكم عليه خاله ان الاغاني شيء تافه كما نعته والده من قبل وسخر منه. وفضل ان يحتفظ بها لنفسه فهو لا يريد ان يزعجه احد اخر في ما يحب.
"اممم. حلو، انا كمان كنت بحب القراءة، ايه نوع اللي بتقرأه؟"
ابتسم يحيى في نفسه وشعر بسعادة ان يشاركه احد ما يحب، تحدث بجدية فالموضوع يكون في غاية الأهمية له عندما يتحدث عن شيء يحبه.
"اقرأ أدب بوليسي منه لأجاثا كريستي، ولأرثر كونان دويل وكمان ساعات ممكن كتب في علم النفس، ساعات كدا يعني بيكون في مواضيع جاذبة انتباهي بحب اقرأ عنها وأعرفها"
"حلو، عارف كتاب العادات السبع للناس الاكثر فعالية؟"
"ايوه كان كتاب حلو دا كان لستيفن آر كوفي وفي كمان كتاب العادات السبع للمراهقين الاكثر فعالية لشين كوفي ودا ابنه"
"جميل يعني الأب عمل كتاب والابن كمان"
ثم أضاف :
"ايه اكتر حاجة بتعملها في يومك؟ او يومك ماشي ازاي؟"
صمت يحيى للحظات، حاول مفكرا ان يرتب كلماته وكأنه ينتقي ما سيقوله بحذر..
بعدها أجاب : "ادرس، اروح دروس، اروح السباحة، واقعد في البيت، اقرأ وممكن احيانا اتمشى بس بقالي فترة كنت مش بخرج بس بعدها بقيت ارجع اخرج"
لم يخبره عن حزنه.. عن بكائه وحده.. عن الالام الجسدية الغير مبررة التي تأتيه... عن الافكار السوداوية... عن شعوره المستمر انه عبء وانه وحيد منبوذ ومكروه...
أجاب طه :
"اممم.. تمام.. طيب ايه اللي بيشتت تركيزك؟"
صمت يحيى مفكرا للحظات.. محاولا بجدية ان يبحث عن اجابة للسؤال في ذهنه ليتفاجئ انه نفسه لا يعلم ما يشتته!. هو يعلم انه لا يستطيع التركيز، لكنه لا يعلم ما السبب تحديدا!.

ظل يحيى صامتا، بينما ظل طه ينظر له وكأنه يحلله ثم قال يحيى بهدوء : "معرفش.. يمكن حاجات كتير، بحس نفسي اني بفكر كتير"
"اممم... جربت التدوين قبل كدا؟"
اتسعت عينا يحيى مجددا شاعرا ان الحديث سيعود لمجرى إهتمامه وقال : "ايوه طبعا، السنة دي كانت اكتر سنة التزمت فيها بالتدوين  احب اكتب المواقف اللي بتحصل، وأي حدث مهم احسه ما ينفع يتنسي او ينفع يكون كذكرى بكتبه، خلصت حوالي ٥ كشاكيل كل واحد منهم ١٠٠ صفحة"
"ما شاء الله، انا كمان بدوّن..." ثم صمت وأكمل : "التدوين حاجة كويسة"
"ايوه"
تقلب بعدها طه في سريره وقبل ان يقرر النوم قال : "يلا بقا عشان تنام مش عاوزين تأخير بكرا"
"اه ايوه فعلا عندي دروس بكرا"

● ● ●

صباح اليوم التالي استيقظ يحيى بعد نومة كانت متقطعة كعادته... في كل مرة كان يستيقظ بها ليلا يجد خاله نائم.. يحمد الله انه نائم فهو لا يريد ان يسأله أحد لما قد استيقظ فهو نفسه لا يعلم السبب. استيقظ ذاك الصباح، شاعرا ان وجهه منتفخا من النوم. وجد سرير خاله مرتب وفارغ. شعر لوهلة بالوحدة وظن انه غادر لعمله. لكن سرعان ما سمع الصوت يأتي من المطبخ. صوت غلاية الماء. صوت اكواب.. واكياس.. واصوات اخرى.
نهض من فراشه بسرعة، رتبه لانه يعلم ان خاله يحب النظام، ثم إتجه للحمام ليغسل وجهه...
بعد انتهائه. خرج وجفف وجهه بالمنشفة كانت معلقة. لمح خاله يرتدي ملابس العمل، قميص ابيض نظيف، وسروال كحلي مكوي بعناية، ومعطفه الابيض موضوع بحرص على الأريكة. قال طه :
"صحيت؟"
"اه لسه دلوقتي"
"طيب تعالي في اكل هنا"
اقترب يحيى، كان الفطور عبارة عن : فول بالسمنة، بيض، شيبسي. وكوبان مشروب ساخن. جلسا الإثنان على السفرة.
قال طه يقصد المشروب : "دا كابتشينو بالبندق جربته قبل كدا؟"
"لا"
"طب جربه هيعجبك"
تردد يحيى للحظات، لطالما كانت والدته تحرّم عليهم هذه المشروبات وكذلك النسكافيه وتقول انها تؤثر على القلب فكان يخاف من ان يشربهم ظنا منه انها ستميته، قال بعد تردد كي لا يحرجه :"ماشي"
ابتسم الخال مدركا سبب صمته متذكرا أخته سمية وقال :
"اشرب، اشرب، امك بس بتهول المواضيع"
أومأ يحيى وفقط. تناولا الطعام. ما ان أنهى يحيى نصف رغيف خبزه حتى توقف عن الاكل. شعر بالشبع وهو من الاساس لم تكن شهيته منفتحة كثيرا. نظر له طه ببعض الحيرة وقال :
"يا ابني كل"
"انا الحمدلله شبعت"
"مش اكلتك"
ارتبك يحيى، ولم ينظر له.  قال وهو يمسك كوبه : "لا عادي، يمكن بس عشان لسه صاحي"
"براحتك"
ساد الصمت بعدها. قال طه : "شوف هناك على طرابيزة التفلزيون هتلاقي بسكوتات، خد لك حاجة وانت بتشرب"

يحيى، لم يكن يعلم لماذا هو مرتبكا هكذا ومتوترا. كان صامتا يحاول السيطرة على نفسه، لكنه كان كثير الشرود. أجاب بهدوء : "اه تمام، هاخد"
توجه بعدها فعليا نحو الطاولة مدعيا الاهتمام. نظر في الكيس، كان به مختلف انواع البسكوتات من البقالة. وكأنه أُشتُري خصيصا له. في النهاية بعد حيرة من الاختيار أخذ اصغر قطعة بسكوت موجودة بالكيس.
كان طه يراقبه في صمت حذر دون ان يشعره بذلك، الشكوك تتجمع في عقله كطبيب ويشعر برغبة اكثر في مراقبته ليتأكد من صحة شكوكه.
"ايه مالك مش عاجبينك؟ اجبلك نوع تاني؟"
تفاجئ يحيى من السؤال لكنه سرعان ما أجاب : "لا حلوين جزاك الله خيرا يا خالو"
هز بعدها طه رأسه في ضيق خفي وصمت. بعدها اخذ الصينية و وضعها بالمطيخ، خرج وامسك بمعطفه الطبي الابيض ونظر ليحيى وقال : "خلاص، انا همشي دلوقتي اتوكل على الله، عاوزك تذاكر كويس وبليل لما ارجع هنخرج شوية تغير جو" ثم ابتسم وقال : "عامل لك برنامج انما ايه"
ابتسم يحيى بسعادة شاعرا بتفاؤل، أومأ يحيى فقال طه :
"طبعا لو عاوز تخرج عادي تخرج انت هنا مش محبوس"
ابتسم يحيى وقال : "اه ايوه طبعا"
بادله طه الابتسامة ثم غادر.

● ● ●

مرت ساعة على مغادرة طه  قضاها يحيى جالسا مكانه!. ينظر أمامه تارة والى الباب تارة. لم يكن يعرف لماذا هذه المشاعر؟، هو كان من المفترض ان يكون سعيد. هو كان متحمس لأن يأتي هنا!. الافكار تدور في عقله، ليشعر بعدها بموجة من المشاعر الجميلة التي جعلته يتأثر فبكى. فكر بإهتمام خاله به، فكر بالبسكوتات، فكر بالفطور، فكر بوعده ان يخرجا.
شعر بدموعه تسبق إرادته فتنزلق على وجنتيه. لا يعرف لماذا لكنه يشعر ان هذا كثير.. انه لا يستحق هذا...
بعدها نهض مقررا ألا يهدر وقته، غسل وجهه ليخفي أثر بكائه، و وضع كتبه مقررا ان يجتهد اليوم أكثر عن غير باقي الايام.

● ● ●

بعد مرور الوقت، كان فعليا قد أنهى مقدار جيد من دراسته التي حددها. شعر بسعادة انه درس بجهد هكذا. شعر بتفاؤل ان حياته فعلا تتغير!. مر الوقت بسرعة ولم يشعر به يحيى. في المساء بينما يحيى كان يتابع الشاشة بملل كنوع من الاستراحة بعد يوم دراسي كهذا، سمع صوت تدوير مفتاح في الباب، ثم دخل خاله. شعر بسعادة فقد كان ينتظر عودته على أحر من الجمر كي يخرجا...
"اهلا يا يحيى، ها ذاكرت؟"
"ايوه، النهاردة اول يوم اذاكر بيه بالشكل دا، في العادة كان بيبقى أقل"
"شاطر تستاهل مكافئة"
نظر الى الشاشة فكانت متوقفة على حلقة من فيلم المحقق كونان التي تعرضه قناة سبيستون، ثم قال : "ياه شفت الفيلم دا؟، كان حلو اوي"
"اه شفته، بس المشكلة ان سبيستون بحسها بتعيد الحلقات"
"اه ايوه" ثم قال : "انا هسخن أكل في لازانيا موجودة"
"حلو، انا بحبها"
"ايوه هتعجبك"

بعدها عاد يحيى يكمل مشاهدة تلفازه، بينما توجه طه للمطبخ.  مرت عدة دقائق ثم علا صوت طه مناديا يحيى :
"يحيى انت ليه ما اكلت من الفاكهة اللي هنا؟"
لم يجد يحيى بماذا يجيب لكن قال أصناء متابعته للشاشة : "مجاش في بالي.. مكنتش جعان"
ثم بعدها إتجه يحيى الى المطبخ، فكر انه من الاحسن عندما يحدث خاله ان يكون معه وليس في غرفة اخرى. كان طه مشغولا بوضع الازانيا في قدر صغير كي يتم تسخينها. راقبه يحيى للحظات ثم قال : "خالو عاوز مساعدة؟"
"لا مفيش خد لك استفاندي من هنا"
تردد يحيى للحظات. فهو لا يحب فاكهة الاستفاندي لوجود البذور بها. لكنه اخذ اصغر واحدة وخرج. على تناول الغداء، قام طه بتشغيل حلقة من احدى حلقات الدحيح. كان يتحدث عن القلب. استمع يحيى للحقة باهتمام، لقد جذب الموضوع انتباهه!.
طه : "الدحيح دا، ما شاء الله عليه"
"ايوه بيجيب معلومات حلوة"
بعد ما أنهى طبقه، بعفوية قام طه بمسك المغرفة في حركة تدل انه سيضع له المزيد، لكن يحيى بسرعة : "لا خلاص مش هقدر"
"مالك؟"
"شبعت. الحمدلله. جميلة اوي"
"خلاص ماشي"

غادر بعدها يحيى الى الحمام شاعرا بحالة قلق غريب... شعر للحظات بألم في معدته. اغلق الباب و وقف امام الحوض مستعدا ان يتقيأ... لكن لا شيء..
تنهد بعدها شاعرا بحالة تعب وارهاق. غسل اسنانه بعدها وخرج.
بعد ذلك وبعد ان أنهوا أخذ الصحون للمطبخ وترتيب المكان. قال طه : "خلاص كدا تمام، اجهز بقا عشان نتمشى، بس البس حاجة تقيلة شوية عشان الجو برد"
"تمام"

● ● ●

خرجا معا. كانت الساعة تشير الى العاشرة مساء. كانا يسيران على الكورنيش. لمعة البحر بفعل ضوء القمر كانت تعطي منظرا جذابا. في الأفق كانت أضواء الفنادق والاوبرات تنير المكان. الجو كان به نسمة هواء بارد تتراوح عليهما بين الحين والاخر. لمح يحيى في النهاية ضابطان يسيران معا. احدهما كان بشعر اشقر. والاخر كان طويل ويضحك. ضاقت عينا طه ما ان ادرك ان الضابطان اللذان امامهما هما نفسهما الاثنان اللذان كانا يترددان على عيادته ليستجوبانه. توقف للحظات ثم غير إتجاه سيره بهدوء، فتبعه يحيى بتلقائية دون أن يشعر بشيء. المكان كان هادئا وخاليا. وهذا ما كان يحتاجه يحيى، فكر للحظات لو كان المكان مزدحما لستكون هذه الفسحة سيئة. تنهد شاعرا ببعض الراحة ثم قال طه : "اخبار ماما وبابا واخواتك عاملين ايه؟"
"كويسين"
"الحمدلله"
"ذاكرت ايه النهاردة"
"فرنش وعربي، وتاريخ"
"كويس"
ساد الصمت بعدها. ظلا يسيران بهدوء. لكن يحيى بعدها بدأ يشعر بتبلل عيناه. مسح دموعه بسرعة، لا يريد ان يبكي هنا وامام خاله.. لكنها دموع نزلت منه مجددا دون إرادة منه ودون إذن!. نظر اليه طه وقال : "انت كويس؟ في حاجة؟"
"اه كويس، مفيش حاجة، بس الهواء ساقع شوية أزعج عيني"
لم يعلق طه، فهم بدوره كطبيب ومعالج نفسي، فضّل الصمت مراقبا الى أي مرحلة سيصلا.
اكتفى فقط ان وضع يده على كتف يحيى أثناء سيرهما كنوع من أنواع الدعم.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.