صباح اليوم التاني. استيقظ على ضوء الشمس الذي تسلل من غرفته، تفاجأ من دخول الأشعة للغرفة فهو دوما كان يعتمها بستارته السوداء. نظر الى ساعته فوجدها تشير الى السابعة والنصف صباحا، أدرك فورا انه أضاع نصف ساعة من اختبار مادة العربي. سرعان ما نهض من فراشه مفزوعا. أخذ حقيبته السوداء. وضع بها ملابس تمرين السباحة كي تكون موجودة ولا يضطر العودة للمنزل بعد إنتهاء اختباره فيذهب بعدها على طول الى نادي التمرين. إرتدى قميصا ابيضا وبنطال جينز. مشط شعره الاسود الناعم. ونظر لنفسه الى المرآة. يتأكد من هيئته، هل عينه السوداء الباكية تلك ستكشفه ام أنه لن يلحظه أحد؟.
قبل ان يخرج من غرفته. توجه الى النافذة فأغلق الستائر فتحولت الغرفة من مضيئة الى معتمة مجددا. غادر الغرفة تاركا فراشه دون ان يرتبه. نزل الى الصالة فوجد والده كان جالسا يتناول فطوره على عجل وحرصه الشديد كل دقيقتين ألا تتسخ بدلة عمله. والدته كانت تمارس الرياضة على جهاز التمشية. وإخوته الكبار كن في المطبخ، بينما أختاه الصغيرتين يتشاجران على الجبن مجددا كالعادة. ألقى التحية فردوها عليه، إرتدى بعدها حذائه الرياضي الأزرق ثم همَّ ان يرحل لكن إستوقفته والدته (سمية) بعد ان أوقفت الجهاز الرياضي.
"استنى يا ابني خد حاجة تاكلها"
"لا مش هقدر يا ماما لو جعت هتصرف"
"ربنا معاك عندك درس عربي النهاردة صح؟"
توتر للحظات ما ان ذكرت الدرس، خشى ان تدرك انه متأخر لكنه قال بثبات : "اه.. اه لازم اروح عشان مستعجل، دعواتكم"
غادر بعدها الشقة وهو يشعر بضربات قلبه تكاد تخرج من صدره من فرط التوتر. في ذات الوقت كانت اخته سهيلة خرجت من المطبخ وكانت قد أعدت له صحن فطور. جبن، زعتر، خيار، بطاطس، بيضة مسلوقة. تفاجئت عندما لم تجده وقالت : "ايه دا مشي كدا ليه؟"
"أوقفت الام جهازها الرياضي للمرة الثانية وخلعت سماعتها ونظرت إليها بأسف وقالت : "اه، يا بنتي، لسه ماشي دلوقتي. خلاص غطي الأكل ولما يرجع ياكل... كدا كدا لسه فاضل وقت ع الغدا"
ثم إلتفتت الام الى زوجها وقالت : "مصطفى خلاص قوم يا بابا هتقضيها اكل وموعد الاجتماع كدا عدا"
مسح فمه بمنديل ثم قال : "معاكي حق، انا قايم دلوقتي"
● ● ●
أثناء الطريق. كان يسير في صمت تام وهدوء. مستمعا الى صوت زقزقة العصافير. بينما كانت تتمايل أغصان الاشجار بفعل الرياح. الجو صباحا كان باردا بعض الشيء فعطس. الطريق كان هادئا وفارغا، فقط السيارات تصطف على يمينه وعلى يساره. واضواء المنازل الخارجية كانت مغلقة. الشمس في هذا اليوم لم تطلع وكان السحاب ملبدا. سار لمدة مسافة قليلة ثم أخيرا وصل الى السنتر الذي يحضر به دروسه في منطقة حي الزمالك بالقاهرة تحديدا في تمام الساعة ٧:٤٥ دقيقة.
وصل الى السنتر، فرمقه مدرس اللغة العربية بغضب وضيق من التأخر في صمت دون ان يتحدث. كان مدرس ممتلئ البدن. لديه شارب أطول من حبل الغسيل وأرفع من الإبرة كما يوصفه يحيى دوما. صفع المدرس الورقة على طاولة يحيى فلم ينبس يحيى ببنت شفة وتماسك. لم يرد ان تتساقط دموعه هنا أمام زملائه.
"قدامك ساعة" قالها له المدرس ثم عاد واتجه الى كرسييه. بعد انتهائه وتسلميه للورقة بعدما وضع إجابات لا تنتمي الى غرض السؤال من الأصل، غادر يحيى السنتر. كان متقبلا تماما لفكرة سقوطه هذا الفصل الدراسي. يشعر بأنه لم يعد يهم له شيء بالنسبة له. ورسوبه في مادة ما، ليست بمشكلة نهاية العالم. هو ايضا لم يدرس للإختبار من الأساس.
أخذ طريقه بعدها نحو موعد تمرين السباحة حيث يبدأ في التاسعة بالظبط. كانت ساعة يده الذكية تشير الى الثامنة وثمانية وخمسون دقيقة حينما وصل أمام بوابة النادي. دخل النادي. فقابل مدربه وفريقه. سلم على أصدقائه، زكريا. ومحمد وابراهيم. مدعيا أمامهم إبتسامة، لطالما إحترف في إخفاء حزنه خلفها!. مرت ساعة التدريب بسرعة. تعتبر هواية السباحة لدى يحيى هي الشيء الوحيد الذي يثير في داخله بعض الإهتمام هذه الفترة. هو ليس بمبتدئ، فمستواه قارب ان يصل لسباح محترف. لقد بدء تدريبه على السباحة منذ ثلاثة سنوات. وفاز هو وفريقه في عدة مسابقات. مدربه يدعى الكابتن حامد. يعتبر شخص جيد بالنسبة له، فهو يعامله بلطف. لكن ما يزعجه هو انه أحيانا يلاحظ نظرات الشفقه في عينه. ويحيى يكره الشفقه فيشعر بالضعف.
بعد ان أنهو تدريبهم والتحدي والقفزة المعتادة. ساعد الكابتن حامد يحيى في ان يصعد من مياه حوض السباحة العميق.
"عاش يا يحيى انت هتبقى بطل الاولومبيات لو شديت حيلك شوية"
ابتسم يحيى فظهرت اسنانه الناصعة، خلع نظارة السباحة وقال : "تسلم يا كابتن، كله بفضل مجهودك بعد ربنا"
إلتفت بعدها الكابتن حامد الى البقية الذين كانوا يستمتعون بالسباحة وفعل بعض الحركات الرشيقة في المياه وقال : "ايه يا شباب؟، ما تطولوش اوكيه؟"
رد ابراهيم بجرأته المعتادة بينما كان يسبح على ظهره : "اوكيه يا كابتن حودة"
ابتسم بعدها الكابتن حامد ابتسامة جانبية تدل على الاستخفاف. لم يلحظها أحد لكن يحيى لاحظها. شعر ببعض التوتر من تلك البسمة الغريبة، لكنه لم يعلق. كعادته فهو لا يحب ان يتدخل في مشاكل. إتجه بعدها يحيى الى دورات المياه. اخرج ثياب نظيفة يرتديها وشنطة ليضع بها رداء السباحة وأدواته. اخذ دشا يساعده على التخلص من مياه حوض السباحة. انتعش من المياه. وببطء إرتدى ثيابه. خرج ليقف بعدها امام المرآة فرتب بعدها شكله. كان منشغلا بالسرحان للحظات أمام المرآة، لم يستفق إلا بعدما شعر بحرارة تلتف من حوله. رفع نظره فوجده شابا ليس من فرقته. استنتج انه من مجموعة أخرى. كان تقريبا في نفس عمره من بنية جسده وملامحه. لكنه كان اطول منه. كان لا يزال عاري الصدر من بعد تمرين سباحته. يرتدي شورت يصل الى اسفل ركبته. كانت ملامحه هادئة بشكل غريب. تأفف يحيى فهو في حالة لا تسمح له ان يطيق أحدا، خاصة وهو تحت تأثير الدوار الذي يأتيه في كل مرة يخرج بها من حوض السباحة. قال...
"عاوز ايه؟"
أجاب الاخر بابتسامة هادئة ورائقة : "ليه بس يا جميل ضارب البوز دا؟. على فكرة مش لايق عليك"
وكاد ان يقترب منه أكثر. لكن سرعان ما تدارك يحيى الأمر، عاد خطوة للخلف، ثم صفعه صفعة دوى صوت طرقعتها في دورة المياه بأكملها.
"انت عاوز ايه يا سافل انت؟"
وضع الاخر يده على وجهه، وقد طبعت اصابع يحيى على وجهه لون أحمر محترم، وبالاضافة الى بياض جلده ققد كانت العلامات واضحة كوضوح الشمس.
ابتسم الاخر : "اوه، بجد لا واو"
نهض فاقترب أكثر، علا على وجهه ابتسامة فرحٍ مخبول.
"طلعت شجاع"
ثم استأنف وقال بهدوء : "دلوقتي هتعمل ايه؟ هتصوت؟"
ازدرد يحيى ريقه مستعجبا من ذاك الكائن الذي أمامه. عقله لا يستطيع ان يفسر له كيف لفتى في نفس عمره له هذه الميول ويفعل هذه التصرفات. بثبات قال دون ان يبتعد :
"انت مش خايف أبلغ حد واعملك مشكلة؟"
ابتسم الاخر : "لا"
رد يحيى بذات الابتسامة اللعوبة ومن ثم بحركة مباغته. ضربه بركبته في معدته. فرد الاخر له ذات الضربة. لكنه كان قد تعمد ان يزد من قوة الضربة كي تؤلم يحيى جيدا. أخرج يحيى ما بفمه من الدماء. وقبل ان يقوم بأي حركة اخرى، حاصره الثاني مضيقا عليه المساحة وثبته بركبته في معدته. وضع يده على وجهه فإرتجف يحيى إشمئزازا. ابتسم الاخر وقال بتعب واضح : "حلو"
ثم سرعان ما نهض واقفا وغادر. بعد دقائق استطاع يحيى ان ينهض بعد ان جفت دموعه على وجنتيه. وقف امام المرآة. مسح دموعه. ولملم أغراضه في حقيبته وخرج من دورة المياه جامد الوجه صامتا دون ان يتحدث او ان يلتفت الى احد.
شعر بأن هذا اليوم لم يبدأ بعد، ومع ذلك كان متعبًا منه بالفعل.