صباح اليوم التالي. نزل يحيى الى الصالون الذي كان مضاءا بالمصاببح الصفراء. وجد والده جالسا وحده. وجهه احمر وعينيه زائغتان فأدرك انه ثمل. لم يقترب منه وجلس في ابعد نقطة عنه في صمت. كعادته وجد صحنه على السفرة ففتح الغطاء لينظر الى ما في الصحن. بيض مدحرج بالسمنة وخيار وجبنة وعسل.
لم يشعر بشهية أن يأكل أي شيء منهم واكتفى فقط بالخيار.
على الجانب الآخر نظر له والده الثمل بطرف عينه. ابتسم ابتسامة جانبية ثم قال بهدوء يستفز يحيى : "ما ايه اخبار مذاكرتك؟، الامتحانات قربت وشايفك كدا بتتسكع في الشوارع"
اكمل يحيى طعامه ولم يجب مفضلا ان يكظم غيظه وغضبه. كان يشعر انهم لا يفهمونه. لا يشعرون بما يشعر. كان يرى ان دراسة درس واحد في اليوم لواحد في مثل حالته تلك هو انجاز عظيم. اما والديه اللذان لا يعلمان شيئا عما يشعر به، فهما يريان انه يهدر وقته ولا يجتهد بالدراسة. رأى انه لا علاقة لأحد بدراسته او بدرجاته وهن ليس لهم الحق ان يوبخونه هكذا.
تكشرت ملامح الاب عندما لم يجد ردا من ابنه. ارتفع صوته وقال : "لما اكلمك ترد"
"انت عاوز ايه مني؟"
رمقه والده بنظرة دهشة وارتفع حاجباه متعجبا من هذه الجرآءة التي لم يتلقها من يحيى يوما. ثم قال : "الله الله يا ما شاء الله، كبرت يحليوه وبقيت تتجرأ على اللي رباك وتعب عشانك عشان تكلمه في النهاية بالطريقة دي يا زبالة يا عديم الرباية؟"
لم يتحرك يحيى ولم يرمش وظل ينظر لطبقه متجاهلا ما قاله والده رغم انها كلمات كانت تسم بدنه. عندما وجد الاب غياب رد الفعل من يحيى. نهض من على الأريكة ونزع حزامه مقررا ان يعيد مشهد الماضي. عندما أدرك يحيى ما سيفعله والده، شعر بتوتر للحظات هو لا يريد ان يُضرب الآن. نهض من على كرسييه بسرعة وتسارعت خطواته، لييهرب من بطش والده له بهذا الحزام الفتاك الذي لا يعرف الرحمة. فهو قد تذوق ألمه مرات عديدة ولا يجد رغبة في ان يأكل وجبة تأديب الآن!. صاح والده منفجرا بالغضب : "انت اللي بدأت. انت لللي بترفع ضغطي.. حذرتك كذا مرة ومفيش منك فايدة، اقسم بالله لهوريك"
بعدها لم يستطع يحيى كعادته ان يفلت من بطش والده. جسده ضئيل بالمقارنة مع جسد والده... في غرفة نومها استيقظت سمية على صوت الركض والصياح. أدركت انها ان لم تذهب وتوقف جنون زوجها لا شك انه سيقتل ابنها الوحيد...
نهضت من سريرها مفزوعة فألمها صدرة من الفزعة وسرعة قيامها هذه. لكن رغم ألمها نهضت راكضة بإتجاه الضجة.
بصعوبة كانت شبه قد استطاعت ايقاف زوجها من ان يحذف الخزانة الصغيرة الخشبية على ابنها. كان مصطفى بسبب الادرينالين كان قد زوّده قوة ضعف قواه فلم يشعر بألم في ظهره عندما حمل الكومودينو الصغير. كانت عيناه جاحظتان. وجهه يتصبب عرقا وكان أحمر اللون. خرجن الاخوة الأربعة من غرفهن يشهدن هذه الواقعة. سهيلة تذهب بعينيها الى الجهة الأخرى في جمود دون أن تسقط دمعة... خشية ان ترى روح اخوها تصعد في اي لحظة من كم هذا الضغط عليه، بينما هي واقفة صامته. فاطمة كانت تشاهد وتحدق بعيناها على حركات والدها.. وكأنها تحلله. الصغيرتان تبكيان دون صوت خوفا من ان يسنكب غضب والدهما عليهما هما ايضا. لم يكن هناك احد حاول ان يفصل بين الاب وابنه سوى الام التي كانت عيناها تبكيان ومتورمان من كثرة البكاء. كانت تقف امام مصطفى تحاول فصله عن ان يلحق الأذى بإبنها أكثر وتترجاه...
"ارجوك خلاص ابوس ايدك سيبه في حاله"
كانت تتشحتف من كثرة بكائها وقهرتها...
ما شعور المرء ان يستيقظ على كارثة كهذه؟.
بصعوبة توقف مصطفى وهدأ بعض الشيء. أعاد الكومودينو مكانه ثم همس : "عيل خريان"
جلس على الأريكة. ممسكا برأسه واصابعه تتخلل شعره الطويل. كان يشعر بصداع شديد ينقر برأسه وكأنه مطرقة.
ساد الصمت في المنزل لم يتحرك اي احد من مكانه وكأنهم يحاولون استيعاب ما قد حدث. لم ينظر مصطفى لأي منهم. غادرات الاختان الكبرتان الى غرفتهما. والصغيرتين دخلا غرفتهما. بينما الام مسحت دموعها بخشونة بعد ان أفرغت مخزونها تقريبا. رمقت زوجها بنظرة وعيد ثم اتجهت نحو غرفة ابنها لتطمئن عليه...
في غرفته.. كان يحيى جالسا على سريره ينظر في الارض. كام يشعر بالجرح، لم يكن جسديا، انما كان نفسيا ومعنويا ينبع من قلبه... قوة أفكاره جعلت كل ما يشعر به من حوله كأنه أمر ثانوي بالنسبة له. سمع طرق والدته على الباب. لكنه لم يفتح. شعر بعدم قدرة ان يواجه احد او ان يتحدث مع احد. كان قد اغلق الباب بالمفتاح. سمع صوتها بنبرة منكسرة تناديه : "يا ابني افتح وما تحرقش قلبي"
لكنه لم يجب. ظل جالسا مثله كمثل السرير الذي يجلس عليه. سمع صوت والده يحدث والدته في الخارج وهو يقول لها :
"سيبيه يتربى"
● ● ●
لا يدري كم مر على الوقت لكنه ظل جالسا على سريره لم يتحرك منه نهائيا. شاردا في ذكرياته....
يوم ما حدث شجار أيضا بينه وبين والده انتهى به الامر ان ثفل والده في وجهه.
يوم اخر حدثت به مشكلة بينه وبين والده دفعه والده حينها بشدة الى غرفته وكأنه خروف يدفع لزنانته قبل حكم ذبحهه.
ويوم آخر حينما كان بالعاشرة قام والده بضربه فلكة على قدمه لمشكلة ايضا قد حدثت بينهما...
تذكر انه كان في كل مرة يحدث بها مشكلة بينه وبين والده ينتهي به المطاف ان يعذبه والده بالضرب ثم يظل بعدها هو في غرفته وحيدا يصارع مشاعر الذنب، والغضب، والخوف، والندم، واحيانا الكره والتمني ان يرحل والده عن العالم!.
نظر الى يديه. كانت تؤلمانه... وكان يرى الاحمرار بهما ويشعر بقوة تدفق الدم فيهما.
سقطت دمعة منه على كفه. فمسح دموعه ونظر الى النافذة.
اقترب من النافذة في صمت. نظر بجمود للاسفل لعدة مرات. نظر الى مقدار المسافة. وجد انه لا يوجد مانع او حاجز الآن. وجد انه لا يوجد سور او اي شيء يحمي النافذة. يستطيع بسهولة ان يقف وينهي كل شيء....
تحسست يداه المكان الذي سيقف عليه ليسهل على نفسه السقوط. أطال نظره للحظات...
كان يشعر بالحزن. الندم. الكره. الغضب. وفكرة "انا عبء" تتردد على مخيلته بلا هوادة. رفع ساقه اليمنى ببطء من على الارض..
لكن سرعان ما أعادها...
أنزل يده بجواره وأحكم قبضته.. رغم ضعف يداه من انهياره العصبي ذاك. كانت يداه ترتجف بلا توقف. لم يكن يستطيع السيطرة على نفسه. شعر انه سيسقط ارضا ان ظل او حتما سيقتل نفسه. ولا مجال له للهروب من هاتان الفكرتان!.
أخذ كابه الأسود من على مكتبه وإرتداه. قرر ان يخرج من المنزل. فتح بابه بهدوء. كان يتمنى ألا يلتقي بأحد. سار في الصالة وحمد الله ان والده لم يكن موجود. إستوقفته والدته قائلة :
"تعالى هنا"
لكنه لم يلتفت وغادر المنزل في صمت. مسحت الام دمعتها وصمتت متجهة نحو غرفة بناتها الكبار. اللتان لطالما كانت دائما تستشيرهما حينما تقع في مواقف لا تستطيع التصرف فيها....
● ● ●
خرج يحيى من المنزل في صمت. ينظر للأسفلت بضمير من تحت قدميه. ويحك فيهما أثناء سيره وكانه يريد ان يركل الارض او كأنما يحاول اخراج نفسه من فكرة ما..
لم ينظر بوجه احد من الناس من حوله. كان يشعر بالغربة في وسطهم... انه وحيد.. انه منبوذ.. ان رحيله سيريح الجميع... كان عقله يوهمه ان الجميع ينظرون له نفس النظرة. نظرة الكره والنبذ.. شعر انه حتى من هم بالخارج لا شك انهم لا يطيقونه...
سار في صمت الى ان وصل الى الحديقة التي إعتاد ان يأتي لها. حديقة عشبية وبها الكثير من الورود والاشجار. كان بالحديقة ممشى وبعض الالعاب. لكنها كانت الحديقة هذا اليوم، فارغة. عدا شخص بعيد لم ينتبه له كثيرا... أكمل سيره.. وحينما رفع رأسه وجدها..
كانت فيروز..
كانت منشغلة بشيء ما على جهازها... تجلس على الكراسي الخشبية المخصصة في الحدائق. عندما رفعت رأسها صدمت من هيئته. وجهه أحمر باكي...
وضعت جهازها بجوارها وإلتفتت له بلهفة خفية وقلق وحيرة ودهشة وتساؤل لما قد يكون حدث له؟...
جلس على المقعد الخشبي بجوارها، محدقًا في الأرض… محاولًا أن يهدئ أنفاسه. و دون ان ينظر لها... شعرت بالتوتر من وضعه هذا وبعض الشفقة.
اخيرا قالت بعد تردد : "يحيى؟"
لم يجب..
"مالك؟ في حاجة؟ انت كويس؟ محتاج مساعدة؟"
ايضا لم يجب وحتى لم يعطها نظرة.. كان ينظر الى الارض وكأن جمادا من يحدثه وليست الفتاه التي كانت قد دخلت قلبه قبل ايام...
تفهمت فيروز حالته.. أدركت انه لا شك حزين.. نظرت اليه محاولة ان تفهم شفرات حزنه الصامت هذا. عيناه حمراوتين، لا شك انه بكى او حاول كبح دموعه. صامت ولا يتحدث وكأنه عاد من خيبة او تلقى صدمة!. لا ينظر لها ويحدق بالأرض، اذا هناك ما يدور بعقله. لوهلة تذكرت نفسها قبل عامين.. حينما كانت في نفس الحالة عندما كانت مريضة اكتئاب... شعرت انه لا شك انه هو ايضا مكتئب. شعرت بالأسى والشفقة ان يمر هو ايضا بتجربة عصيبة كتلك. لكنها شعرت بذات الوقت بفرحة. انها ليس وحدها وان ما عاشته وحدها هو ما يعيشه أناس كثيرون غيرها. وضعت يدها على يده التي كان يضعها بجواره على الكرسي وقالت :
"انت مش لوحدك"
لم يجب ولم ينظر لها لكنها كانت متيقنة من انه يسمعها. ثم أكملت قائلة له ما كانت تتمنى ان يقوله احد لها حينما عاشت فترة اكتئابها :
"انا كمان كنت كدا" "انت حاسس بالذنب، بالندم، بالكره، وان محدش شايف ليك قيمة وحاسس بوحدة"
اصابته الكلمات في قلبه دون ان يفهم. لكن أخيرا إلتفت لها ونظر في عينيها. فرأى الصدق في كلامها وأدرك انها تتحدث بصدق وليست مجرد كلمات تقولها له كي تواسيه.
أكملت : "هي فترة، وهتعدي، انا هنا، موجودة، وانت مش لوحدك. لو مش عاوز تتكلم في تفاصيل مش مهم ومش لازم. بس انا هنا وموجودة"
بصوت مبحوح ومنخفض : "انتي ازاي عارفة كدا؟"
ابتسمت وقالت : "مش بقولك عشتها؟"
ساد الصمت بينهما.. لم ينظر لها يحيى وظل صامتا. بينما فيروز ظلت تحدق به. لحظات اخرى وبدأت تلاحظ شيء جديد...
دماء..
كان قميصه عند كمه قد تلوث ببعض الدماء في ذراعة اليسرى التي لمست يده قبل قليل. اتسعت عيناها في صدمة وقالت :
"يحيى انت متعور؟"
نظر يحيى الى حيث تنظر وتفاجئ هو الآخر. لم يجب. فكيف له أن يقول لها انه لتوه قد لاحظ الإصابة معها؟.
حدق بمكان الدماء للحظات متأملا.
لم يلحظ ان والده قد أصابه بعد هذا الضرب.. توهانه وسرحانه انسوه كل شيء حتى الاحساس بالألم. فجأة بدأ يشعر بحرقة جرحه والالم. وكأنه عاد للواقع للتو. كشف عن يده ينظر الى اصابته وليرى لأي مدى وصل أذى ابوه له. كان جرحا طوليا. لكنه كان سطحيا. لكن أيضا كان كاف ان ينقل له جراثيم وعدوى.
نهضت فيروز قائلة بحزم : "استنى خليك هنا. هروح وهرجع تاني. ما تتحركش مش عاوزين الجرح يتلوث اكتر"
ثم غادرت. للحظات لم يفهم سبب اهتمامها ذاك؟، لما فتاة غريبة تهتم به وتعامله بهذا اللطف بينما لا يتلقى هذا من والديه؟. لم يفهم وقرر أن لا يفهم. ابتسم وظل جالسا منتظرا. يحدق في جرحه تارة. والى الجهة التي اختفت منها تارة. خلال عشر دقائق، عادت فيروز. معها حقيبة صغيرة. أسرعت خطواتها نحوه وجلست بجواره. وضعت رجل على الأخرى ثم أخرجت من حقيبتها بيتادين وقطن وضماد ولاصق.
أخذت يده لتبدأ عملها. لم يعترض يحيى وتركها تفعل ما تشاء بل وظل يراقبها فقط.
بعدها همست فيروز بأسى وحزن بينما كانت تلف الضمادة على جرحه : "انت شكلك تعبت كتير الفترة دي"
لم يجب فورا. لكنه نظر اليها ودون إرادة تأملها للحظات.. إلتقت اعينهما فهمس بعدها بهدوء : "انتي ازاي...."
لم يكمل جملته. و وضع يده بجوارها دون لمس. مال بجسده نحوها قليلا مقتربا منها. إحمّر وجهها وتوتر تنفسها من قربه.
نظرت في عينه السوداوتين المتعبتان والتي كانت تلمع بذات الوقت. خصلات شعره التي كانت بعضها ملتصقا بجبهته من العرق. الى انفه الى شفتيه... لكنها لم تندمج بالوضع.
تذكرت الدروس الطبية التي كانت تسمعها من على اليوتيوب لشغفها بالطب. لاحظت نظرة تعب حقيقي في عينيه. ليس نفسيا فقط بل وجسديا ايضا. تصبب العرق من جبينه بإستمرار رغم ان الجو كان جيدا وليس حارا البتا!. حمرة وجنتيه. ليست حمرة خجل او غضب. حمرة كانت تشير الى حمى..
وضعت كفها بعفوية على جبينه لتتأكد من شكها. للحظات توتر يحيى من هذه اللمسه. ودون تفكير أعاد رأسه للوراء قليلا.
قالت فيروز : "يحيى انت سخن، انت تعبان"
ابتسم الآخر ولم يجب.
ابتسم بصمت، وكأنه أخيرًا وجد شخصًا يرى ألمه.