كانت السماء مغطاة بسحب سوداء ثقيلة عندما توقفت شاحنة ضخمة عند الميناء القديم في منتصف الليل.
لم يكن المكان يعج بالحركة كالمعتاد، بل بدا صامتًا بشكل مريب، كأن البحر نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا لشيء مخيف سيحدث.
نزل رجل طويل يرتدي معطفًا أسود من مقعد السائق، ثم أشعل سيجارة بيد مرتجفة قليلًا.
تلفّت حوله بحذر قبل أن يقترب من الحاوية المعدنية التي تحمل الرقم 55.
قال بصوت منخفض للرجل الذي كان ينتظره قرب الرافعة:
— هل تأكدت أن الطريق آمن؟
أجاب الآخر بسرعة:
— نعم… لا أحد يعلم بوصول الشحنة.
لكن نبرة صوته لم تكن مطمئنة.
في تلك اللحظة، دوّى صوت ارتطام قوي في الجهة الخلفية من الميناء.
التفت الرجلان بسرعة.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة، ثم تحرك العامل الثاني ببطء نحو مصدر الصوت، بينما بقي صاحب المعطف الأسود مكانه يراقب الظلام بعينين متوترتين.
وصل العامل إلى زاوية ضيقة بين الحاويات، وفجأة تجمد مكانه.
كانت هناك جثة رجل ملقاة على الأرض، وقطرات المطر تنساب فوق وجهه الشاحب.
وعلى صدره وُضعت بطاقة صغيرة كُتب عليها بحبر أحمر:
"الخيانة ثمنها الموت."
ارتد العامل للخلف مذعورًا.
— يا إلهي… لقد قتلوه!
لكن قبل أن يكمل جملته، سمع صوت خطوات قادمة من بعيد.
اقتربت سيارة سوداء بسرعة قبل أن تتوقف قرب الحاويات، ثم نزل منها ثلاثة رجال مسلحين.
قال أحدهم ببرود:
— أزيلوا الجثة… والشحنة يجب أن تغادر الليلة.
ابتلع الرجل صاحب المعطف الأسود ريقه بصعوبة وسأل:
— وماذا عن الشرطة؟
ابتسم المسلح ابتسامة باردة.
— الشرطة لن تصل قبل أن نختفي.
لكن أحدًا لم يكن يعلم أن عينين كانتا تراقبان كل شيء من أعلى المستودع القديم.
وقف المفتش سمير خلف نافذة مكسورة، ممسكًا بمنظار صغير، بينما تهب الرياح الباردة حوله.
كان في أواخر الثلاثينات، ذا ملامح حادة ونظرة ثابتة لا تفلت منها التفاصيل.
عرفه الجميع بذكائه وقدرته الغريبة على ربط الأدلة التي يعجز الآخرون عن فهمها.
خفض المنظار قليلًا وهو يراقب الرجال ينقلون صناديق خشبية من الحاوية رقم 55 إلى الشاحنة.
همس مساعده أحمد، الذي كان يقف بجواره:
— هل نحن متأكدون أنهم نفس العصابة؟
أجاب سمير دون أن يبعد عينيه عن الميناء:
— نفس الطريقة… نفس التوقيت… ونفس الرمز.
ثم أشار إلى البطاقة الموضوعة فوق الجثة.
— هذه ليست جريمة عادية.
سأل أحمد بقلق:
— هل نطلب الدعم؟
صمت سمير لثوانٍ قبل أن يقول:
— لا… أريد أن أعرف إلى أين ستذهب الشحنة أولًا.
في الأسفل، أغلق الرجال باب الحاوية بسرعة، بينما بدأ أحدهم يتحدث عبر جهاز لاسلكي:
— الدائرة الزرقاء يتحرك الآن.
تغيرت ملامح سمير فور سماعه الاسم.
الدائرة الزرقاء.
ذلك الاسم ظهر في ملفات تهريب دولية خلال السنوات الأخيرة، لكنه لم يرتبط أبدًا بأي شخص حقيقي.
مجرد اسم غامض تسبقه الجثث والاختفاءات.
قال أحمد بدهشة:
— مستحيل… هل يمكن أن تكون العصابة نفسها هنا؟
أجاب سمير بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالتوتر:
— إذا كان الدائرة الزرقاء وراء هذه العملية… فنحن أمام أخطر شبكة تهريب عرفتها المنطقة.
فجأة، أضاء هاتف سمير برسالة مجهولة.
فتحها بسرعة.
كانت تحتوي على صورة قديمة له أثناء إحدى عملياته السابقة… وأسفل الصورة جملة قصيرة:
"ابتعد عن الحاوية 55… وإلا ستكون التالي."
شعر أحمد بالتوتر فور رؤية الرسالة.
— كيف حصلوا على رقمك؟
لكن سمير لم يجب.
ظل يحدق في الشاشة بصمت، ثم رفع رأسه ببطء نحو الميناء المظلم.
في تلك اللحظة بالتحديد، انطلقت رصاصة حطمت الزجاج بجواره مباشرة.
انخفض أحمد مذعورًا، بينما أمسك سمير سلاحه بسرعة واتجه نحو النافذة.
لكن القناص كان قد اختفى.
وفي الأسفل، بدأت الشاحنة الضخمة تتحرك خارج الميناء، حاملة معها الحاوية رقم 55… والسر الذي قد يغير كل شيء.