Qaed

Share to Social Media

تصاعدت ألسنة اللهب من المستودع المحترق، بينما دوّت صفارات سيارات الشرطة والإسعاف في أنحاء المنطقة الصناعية.
وقف المفتش سمير على بعد أمتار من الحريق، وعيناه تراقبان رجال الإطفاء وهم يحاولون السيطرة على النيران التي التهمت الحاوية رقم 55 بالكامل.
قال أحمد وهو يلهث:
— لقد دمروا كل الأدلة.
لكن سمير لم يقتنع.
هز رأسه ببطء وقال:
— لا… هذه العصابات لا تحرق شيئًا إلا إذا كان أهم مما نتوقع.
اقترب أحد رجال الشرطة بسرعة.
— سيدي، وجدنا جثة قرب البوابة الخلفية.
اتجه سمير فورًا إلى المكان.
كانت الجثة لرجل أصلع يرتدي ملابس سوداء، وفي يده جهاز لاسلكي محترق جزئيًا.
انحنى سمير بجواره، ثم لاحظ شيئًا غريبًا.
على معصم الرجل وشم صغير على شكل دائرة زرقاء.
قال أحمد:
— واحد من العصابة؟
أجاب سمير:
— ربما… أو مجرد جندي يعمل لديهم.
ثم سحب من جيب الجثة بطاقة تعريف مزيفة تحمل اسمًا مختلفًا.
ابتسم بسخرية خفيفة.
— محترفون كالعادة.
لكن فجأة، انتبه إلى شيء آخر.
كانت هناك ورقة صغيرة نصف محترقة عالقة أسفل الجثة.
رفعها بحذر.
لم يبقَ منها سوى كلمات متفرقة:
"...الشاهد..."
"...فندق الميناء..."
"...قبل منتصف الليل..."
رفع سمير عينيه بسرعة.
— هناك شخص ما كان سيقابلهم الليلة.
سأل أحمد:
— شاهد على ماذا؟
أجاب سمير وهو ينهض:
— هذا ما سنعرفه.
قبل منتصف الليل بقليل، توقفت سيارة سمير أمام فندق قديم يطل على المرفأ البحري.
كان الفندق شبه مهجور، وتنبعث من ممراته رائحة الرطوبة والدخان القديم.
اقترب موظف الاستقبال منهم بتوتر واضح.
قال سمير وهو يريه شارة الشرطة:
— نبحث عن رجل استأجر غرفة الليلة الماضية باسم يوسف مراد.
تردد الموظف للحظة قبل أن يشير نحو الدرج.
— الغرفة 312… لكنه بدا خائفًا جدًا.
صعد سمير وأحمد بسرعة.
لكن ما إن وصلا إلى الطابق الثالث حتى توقف سمير فجأة.
باب الغرفة كان مفتوحًا قليلًا.
أشار لأحمد أن يبقى خلفه، ثم دفع الباب ببطء.
الغرفة كانت مقلوبة بالكامل.
الأدراج مفتوحة، والزجاج محطم، وآثار عراك واضحة في كل مكان.
قال أحمد بقلق:
— وصلوا إليه قبلنا.
لكن سمير لاحظ صوتًا خافتًا يصدر من خلف الستارة قرب النافذة.
اقترب بحذر، ثم سحب الستارة بسرعة.
ظهر رجل نحيف مذعور، يضغط بيده على كتفه النازف.
صرخ الرجل:
— لا تقتلوني!
خفض سمير سلاحه فورًا.
— اهدأ… نحن شرطة.
كان الرجل يرتجف بعنف، ووجهه شاحب من الخوف.
قال بصوت متقطع:
— سيقتلونني… إنهم يقتلون كل من يتكلم.
جلس سمير أمامه مباشرة.
— من هم؟
نظر الرجل نحو الباب وكأن أحدًا يتنصت عليهم، ثم همس:
— الدائرة الزرقاء.
تبادل سمير وأحمد نظرة سريعة.
قال سمير:
— ماذا تعرف عنهم؟
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة.
— أنا كنت أعمل في الميناء… رأيت الحاويات… رأيت الشحنات… المخدرات تُنقل داخل معدات طبية وأجهزة إلكترونية… ثم تُرسل إلى عدة دول.
سأل أحمد بدهشة:
— ومن يدير العملية؟
صمت الرجل للحظة طويلة، ثم قال بخوف:
— لا أحد يرى الزعيم الحقيقي… الجميع يتعامل مع رجل اسمه محمود.
تجمدت ملامح سمير.
الاسم لم يكن غريبًا عليه.
محمود الكريمي.
رجل أعمال مشهور يملك شركات شحن بحرية ضخمة، ويظهر دائمًا في الإعلام كرجل محترم.
قال سمير ببطء:
— هل أنت متأكد؟
هز الرجل رأسه بسرعة.
— رأيته بنفسه في المستودع قبل أسبوع… هو من أعطى أوامر القتل.
وقبل أن يتمكن من قول المزيد…
انطفأت أنوار الغرفة فجأة.
ساد الظلام.
ثم دوّى صوت كاتم رصاص خافت.
تراجع أحمد بسرعة وهو يشهر سلاحه.
صرخ سمير:
— أرضًا!
لكن بعد ثانية واحدة فقط، سقط الرجل النحيف على الأرض بلا حراك.
أضاء أحمد مصباحه بسرعة.
ظهرت بقعة دم واسعة فوق صدر الشاهد.
ركض سمير نحو النافذة المفتوحة.
رأى ظل شخص يقفز إلى سطح المبنى المجاور قبل أن يختفي في الظلام.
قبض سمير يده بغضب.
لقد وصلوا مرة أخرى قبل الشرطة بثوانٍ فقط.
لكن شيئًا صغيرًا قرب الجثة لفت انتباهه.
قرص إلكتروني صغير سقط من جيب الشاهد أثناء موته.
التقطه سمير ببطء.
نظر إليه أحمد وسأل:
— ما هذا؟
أجاب سمير وهو يحدق في القرص بعينين ضيقتين:
— ربما الشيء الذي كانوا مستعدين للقتل من أجله.
ثم رفع رأسه نحو النافذة المظلمة وقال بصوت منخفض:
— والآن… بدأت اللعبة الحقيقية.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.