اندفعت الشاحنة السوداء عبر الطريق الساحلي بسرعة جنونية، بينما كانت الأمطار تضرب الزجاج الأمامي بقوة.
في السيارة غير المميزة التي خلفها مباشرة، كان المفتش سمير يمسك المقود بعينين ثابتتين، فيما جلس أحمد بجواره يراقب الطريق بتوتر.
قال أحمد:
— إذا استمروا بهذه السرعة فسنفقدهم.
أجاب سمير بهدوء:
— لن يذهبوا بعيدًا… شحنة بهذا الحجم تحتاج إلى نقطة نقل قريبة.
نظر أحمد إليه باستغراب.
— كيف تعرف؟
ابتسم سمير ابتسامة خفيفة دون أن يبعد عينيه عن الطريق.
— لأن المهربين لا يحبون المخاطرة الطويلة… خصوصًا عندما يكون معهم شيء يستحق القتل.
في تلك اللحظة، انحرفت الشاحنة فجأة نحو طريق فرعي مظلم يؤدي إلى المنطقة الصناعية القديمة خارج المدينة.
خفض سمير سرعة السيارة وأطفأ الأضواء الأمامية.
— الآن بدأ الجزء الحقيقي.
بعد عشر دقائق، توقفت الشاحنة قرب مستودع مهجور تحيط به أسوار حديدية صدئة.
ترجل عدة رجال مسلحين بسرعة، ثم بدأوا بإنزال الصناديق الخشبية من الحاوية رقم 55.
راقب سمير المكان من خلف سور محطم باستخدام منظاره الصغير.
قال أحمد هامسًا:
— هل نقتحم المكان؟
لكن سمير أشار له بالصمت.
كانت عيناه تركزان على رجل خرج من المستودع للتو.
رجل أنيق يرتدي بدلة رمادية وقفازات سوداء، ويتحرك بثقة واضحة.
قال أحمد بدهشة:
— هذا ليس مجرد مهرب.
أجاب سمير ببطء:
— لا… هذا شخص معتاد على إعطاء الأوامر.
راقب الرجل وهو يفتح أحد الصناديق، لتظهر داخله أكياس صغيرة مغلفة بعناية.
مخدرات.
لكن ما لفت انتباه سمير أكثر لم يكن الشحنة… بل الرمز المطبوع على الأكياس.
دائرة زرقاء صغير.
همس سمير:
— إذًا الإشاعة كانت حقيقية.
سأل أحمد:
— أي إشاعة؟
أجاب سمير:
— شبكة تهريب دولية تستخدم هذا الرمز… الشرطة الدولية حاولت تعقبهم لسنوات دون نتيجة.
قبل أن يكمل حديثه، ظهر صوت محرك سيارة أخرى تقترب من المستودع.
توقفت سيارة فاخرة سوداء عند البوابة، ثم نزل منها رجل ضخم يحمل حقيبة معدنية.
اقترب من صاحب البدلة الرمادية وسلمه الحقيبة دون كلمة واحدة.
لكن فجأة…
دوّى صوت إطلاق نار حاد.
تجمد الجميع.
سقط الرجل الضخم أرضًا، بينما تناثرت الدماء فوق الإسفلت المبتل.
صرخ أحد المهربين:
— الشرطة!
عمّت الفوضى المكان فورًا.
بدأ المسلحون يركضون بين الحاويات، بينما أطفئت الأنوار الخارجية للمستودع دفعة واحدة.
قال أحمد بصدمة:
— نحن لم نطلق النار!
لكن سمير كان يراقب السطح المرتفع للمبنى المقابل.
رأى ظلًا يتحرك بسرعة فوق السطح ثم يختفي.
قال بحدة:
— هناك طرف ثالث هنا.
وفجأة، انطلقت رصاصات جديدة باتجاه المهربين.
بدأ الرجال يختبئون خلف الصناديق، بينما استغل بعضهم الفوضى للهرب.
أمسك سمير سلاحه وقال:
— تحرك!
قفز هو وأحمد فوق السور واتجها بسرعة نحو المستودع.
كان المكان غارقًا بالفوضى والصراخ.
رأى سمير صاحب البدلة الرمادية يحاول الهرب عبر باب خلفي، فانطلق خلفه مباشرة.
ركض الرجل داخل ممر ضيق بين المستودعات، بينما كانت خطوات سمير تقترب بسرعة.
صرخ سمير:
— توقف! شرطة!
لكن الرجل استمر بالهرب.
وفجأة، انعطف نحو زقاق مظلم واختفى.
وصل سمير إلى الزاوية بسرعة… ثم توقف.
الزقاق كان فارغًا.
لكن شيئًا واحدًا فقط بقي على الأرض.
بطاقة سوداء تحمل رمز الدائرة زرقاء نفسه.
وعلى ظهرها كُتبت جملة قصيرة:
"أنت تقترب أكثر مما يجب يا سمير."
شعر ببرودة تسري في جسده.
كيف يعرفون اسمه؟
وصل أحمد وهو يلهث.
— هل هرب؟
لم يجب سمير فورًا.
كان يحدق في البطاقة بصمت، قبل أن يرفع عينيه ببطء نحو المباني المظلمة المحيطة بهم.
ثم قال بصوت منخفض:
— هذه العصابة لا تراقب الشرطة فقط…
صمت لحظة، ثم أكمل:
— بل تعرفنا واحدًا واحدًا.
وفي تلك اللحظة، سُمع انفجار هائل داخل المستودع.
اهتزت الأرض بعنف، وتصاعدت ألسنة النار إلى السماء، بينما ابتلعت النيران الحاوية رقم 55 بالكامل.