RachaRacha2004

شارك على مواقع التواصل

📖 لعنة الظل وقلب الغابة




---

الفصل الحادي والعشرون: حربُ الأرواح

المشهد الأول: بوابةُ الصدر

لم يكنْ الدخولُ إلى روحِ إنسانٍ كالمشيِ في بابٍ عادي، بل كانَ كالسقوطِ في بحرٍ لا قاعَ لهُ، وعندما أغلقَ كاسيانُ عينيهِ وقفزَ من التلةِ نحوَ الغابةِ المظلمة، شعرَ بأنّ جسدهُ يتلاشى شيئًا فشيئًا حتى أصبحَ مجردَ ومضةِ ضوءٍ فضي.

كانَ آركانُ يقفُ على التلةِ يراقبهُ، ويداهُ مشدودتانِ على قبضةِ سيفهِ الأسود، وعيناهُ تحملانِ حزنًا عميقًا لمن يذهبُ إلى معركةٍ قد لا يعودُ منها.

"عودْ حيًا يا كاسيان." همسَ آركانُ للريحِ السوداء. "لأنّ العالمَ يحتاجُ إلى حارسٍ واحدٍ على الأقل."

في تلك اللحظةِ، اصطدمَ كاسيانُ بجسدِ إيلورا، أو بما تبقى منهُ، وشعرَ بألمٍ حادّ كالدخولِ في نارٍ سائلة، ثمّ اختفى كلُّ شيء، ولم يعدْ هناك إلاّ فراغٌ أبيضُ لا نهائي.


---

المشهد الثاني: الفراغُ الأبيض

فتحَ كاسيانُ عينيهِ، فوجدَ نفسهُ واقفًا على سطحٍ أبيضَ لامعٍ كالمرايا، والسماءُ فوقهُ كانتْ بيضاءَ أيضًا، لا شمسَ ولا قمرَ، فقط نورٌ لا مصدرَ لهُ.

"أينَ أنا؟" سألَ كاسيانُ وصوتُهُ كانَ يترددُ في الفراغ.

"في داخلي."

جاءَ الصوتُ من خلفهِ، والتفتَ ليجدَ إيلورا واقفةً هناك، لكنّها لم تكنْ كما عرفها، بل كانتْ شبحًا شفافًا من نورٍ ذهبي، وعيناها تحملانِ دموعًا لم تسقط.

"إيلورا..." همسَ كاسيانُ ومدّ يدَهُ نحوها، لكنّ أصابعهُ مرّتْ عبرَ جسدها كالدخان.

"لا تلمسني." قالتْ إيلورا وصوتُها كانَ مرتجفًا. "إذا لمستني... سيمتصُكِ نيراث."

"لماذا أتيتِ إلى هنا؟" سألَ كاسيانُ.

"لأنّكِ ناديتني." قالتْ إيلورا وابتسمتْ ابتسامةً حزينة. "في تلك اللحظةِ على التلة، عندما قلتَ إنّكَ ستتذكرني دائمًا... سمعتُكِ."

"إذن هناك أمل." قالَ كاسيانُ.

"نعم." قالتْ إيلورا. "لكنّ الثمنَ سيكونُ باهظًا."

"ما هو؟"

"واحدٌ منا..." قالتْ إيلورا ونظرتْ إلى يديها الشفافتين. "لن يخرجَ من هنا."

صمتَ كاسيانُ طويلًا، ثمّ قالَ بصوتٍ حازم: "سأكونُ أنا."

"لا!" صرختْ إيلورا. "لا يمكنكَ أنْ تموتَ بسببي!"

"لستُ أموتُ." قالَ كاسيانُ واقتربَ منها خطوة. "أنا أحيا بسببكِ."


---

المشهد الثالث: وحشُ الذاكرة

فجأةً اهتزّ الفراغُ الأبيض، وتشققتْ الأرضُ تحتَ أقدامهِما، وخرجَ من الشقوقِ دخانٌ أسودُ كثيفٌ تشكّلَ إلى جسدٍ ضخمٍ كالجبل.

نيراث.

كانَ وجههُ بلا ملامح، فقط فراغٌ أسودُ تتوسطهُ عينٌ حمراءُ واحدةٌ كبيرة، وجسدُهُ كانَ يتشكّلُ ويتبدّدُ باستمرارٍ كالدخان.

"حارسٌ صغير." قالَ نيراثُ وصوتُهُ كانَ يهزّ الفراغ. "جرؤتَ على الدخولِ إلى مملكتي؟"

"هذه ليستْ مملكتكَ." صرخَ كاسيانُ وسحبَ سيفهُ الفضيّ من ظهرهِ. "هذا جسدُ إيلورا، وأنتَ مجردُ سجين."

"سجين؟" ضحك نيراثُ ضحكةً عالية. "أنا لستُ سجينًا يا حارس، أنا الحقيقة، وهذا الجسدُ هو سجنِي."

امتدّتْ يدُ نيراثَ نحو كاسيان، وتشكّلتْ حولهُ مخالبُ من ظلامٍ كثيف، ورفعتهُ في الهواء.

"كاسيان!" صرختْ إيلورا وحاولتْ التدخل، لكنّ قوةً غيرَ مرئيةٍ منعتها.

"لا تتدخلي." قالَ نيراثُ والتفتَ إلى إيلورا. "أريدُ أنْ أراهُ يموتُ أمامكِ، لعلّ هذا يكسرُ ما تبقى من روحكِ."

بدأتْ المخالبُ تضغطُ على كاسيان، وشعرَ بأنّ أضلاعهُ تتكسرُ واحدةً تلوَ الأخرى، لكنّهُ لم يصرخ.

"هل هذا..." قالَ كاسيانُ بصوتٍ متقطع. "أقوى ما عندكَ؟"

"ماذا؟" قالَ نيراثُ.

"ألمُ الجسد..." قالَ كاسيانُ وابتسمَ رغمَ الألم. "أنا متدربٌ عليهِ، لكنّ ألمَ الروح..."

أشارَ إلى إيلورا.

"هذا ما لا تستطيعُ تحمّله."

رفَعَ كاسيانُ سيفهُ الفضيّ، وغرسهُ في صدرهِ نفسهِ.


---

المشهد الرابع: دمُ الحارس

صرختْ إيلورا وصوتُها ملأَ الفراغ، ونيراثُ تراجعَ خطوةً للوراءِ وكأنّ شيئًا حدث.

"ماذا فعلت؟" صرخَ نيراثُ وصوتُهُ كانَ يحملُ رعبًا حقيقيًا.

"دمُ الحارس..." قالَ كاسيانُ وصوتُهُ كانَ ضعيفًا. "هوَ المفتاح."

سقطَ دمُ كاسيانَ على الأرضِ البيضاء، لكنّهُ لم يكنْ أحمر، بل كانَ فضيًا لامعًا، وانتشرَ على الأرضِ كالنار.

"هذا مستحيل." قالَ نيراثُ. "دمُ الحارسِ لا يعملُ إلاّ إذا كانَ الحارسُ ميتًا!"

"أنا..." قالَ كاسيانُ ونظرَ إلى إيلورا. "لم أمتْ بعد."

بدأَ الدمُ الفضيّ ينتشرُ في الفراغ، وكلما لمسَ شيئًا أسودَ تحوّلَ إلى نور، ونيراثُ بدأَ يتقلّصُ ويصرخُ من الألم.

"توقّف!" صرخَ نيراثُ. "ستقتلنا جميعًا!"

"نعم." قالَ كاسيانُ. "هذا هوَ الخطط."

"كاسيان!" صرختْ إيلورا. "هناك طريقةٌ أخرى!"

"لا توجد." قالَ كاسيانُ. "إمّا أنا، أو أنتِ، أو العالم."

نظرَ إلى إيلورا آخر مرة، وقالَ: "تذكري... أنا لم أنسكِ أبدًا."


---

المشهد الخامس: المعركةُ الخارجية

في العالمِ الخارجي، كانتْ إيلورا/نيراث تسقطُ على ركبتيها تحتَ شجرةِ إلدورا، وتصرخُ من ألمٍ لم يرهُ أحدٌ من قبل.

"ماذا يحدثُ لها؟" صرخَ زاركيثُ الذي كانَ يقفُ بعيدًا يراقب.

"شيءٌ ما يحدثُ في الداخل." قالَ آركانُ وسيفُهُ مشهور. "كاسيانُ يقاتل."

"سيفشل." قالَ زاركيثُ. "نيراثُ أقدمُ من أنْ يُهزم."

"لكنّ الحب..." قالَ آركانُ. "أقدمُ من الظلام."

فجأةً، انفجرَ نورٌ فضيّ من صدرِ إيلورا، وانتشرَ في كلِّ اتجاه، والظلامُ حولها بدأَ يتراجع.

"مستحيل." قالَ زاركيثُ. "هذا النور... لا يمكنُ أنْ يوجد."

"يمكن." قالَ آركانُ. "إذا كانَ من قلبٍ نقي."


---

المشهد السادس: الاختيارُ النهائي

في الفراغِ الأبيض، كانَ كاسيانُ على وشكِ الموت، ودمُهُ الفضيّ غطّى كلَّ المكان، ونيراثُ كانَ قد تقلّصَ إلى حجمِ طفل.

"لقد خسرت." قالَ كاسيانُ وسقطَ على ركبتيه.

"لا." قالَ نيراثُ وصوتُهُ كانَ ضعيفًا. "لأنّكِ إذا قتلتني... ستموتُ إيلورا معي."

تجمّدَ كاسيانُ.

"ماذا؟"

"نحنُ متصلان." قالَ نيراثُ. "الختمُ الداخلي، الروح، الجسد، كلُّ شيءٍ واحد، إذا متُّ... ماتت."

نظرَ كاسيانُ إلى إيلورا، التي كانتْ تبكي بصمت.

"إيلورا..." قالَ كاسيان. "هل هناك طريقةٌ أخرى؟"

"نعم." قالتْ إيلورا واقتربتْ منهُ. "هناك طريقة، لكنّها ستؤلم."

"ما هي؟"

"بدلَ أنْ تقتلهُ..." قالتْ إيلورا. "أغلقهُ داخلِي للأبد."

"لكنّكِ ستبقينَ مسجونةً معهُ." قالَ كاسيان.

"نعم." قالتْ إيلورا. "لكنّني سأكونُ حية، وأنتَ ستكونُ حيًا."

نظرَ كاسيانُ إلى نيراث، ثمّ إلى إيلورا، ثمّ إلى سيفهِ الفضيّ.

"هل تستطيعينَ تحمّله؟" سألَ كاسيان.

"نعم." قالتْ إيلورا. "لأنّكَ ستكونُ معي."

"أنا؟"

"نعم." قالتْ إيلورا. "جزءٌ من روحكِ بقي في دمي، وسيبقى معي للأبد."

صمتَ كاسيانُ طويلًا، ثمّ قالَ: "إذا كانتْ هذهِ هيَ الطريقة... فليفعل."


---

المشهد السابع: الإغلاق

مدّتْ إيلورا يديها نحوَ نيراث، ونيراثُ حاولَ الهروب، لكنّ الدمَ الفضيّ منعه.

"لا!" صرخَ نيراث. "لا تسجينيني مرةً أخرى!"

"آسف." قالتْ إيلورا. "لكنّ هذا هوَ مصيركَ."

أغلقتْ يديها، وانفجرَ نورٌ أبيضُ ساطع، وشعرَ كاسيانُ بأنّ روحهُ تُسحبُ من الفراغ.

"إيلورا!" صرخَ كاسيانُ. "سأعودُ إليكِ!"

"أعدكِ." قالتْ إيلورا ودموعها تسقطُ في الفراغ. "سأنتظرُكِ."

ثمّ اختفى كلُّ شيء.


---

المشهد الثامن: الفجرُ الجديد

في العالمِ الخارجي، استيقظتْ إيلورا على العشبِ تحتَ شجرةِ إلدورا، والسماءُ فوقها كانتْ صافية، والمطرُ الأسودُ توقف.

نهضتْ ببطء، ونظرتْ إلى يديها، الخاتمُ الثالثُ لم يعدْ موجودًا، والعلامةُ على معصمها اختفت.

لكنّ في صدرها، شعرتْ بنبضٍ آخر، نبضٌ دافئٌ مألوف.

"كاسيان..." همستْ إيلورا.

نعم، كانَ هنا، جزءٌ منهُ بقيَ داخلها، دافئًا كالحضن.

"إيلورا."

جاءَ صوتُ آركانَ من خلفها، والتفتتْ لتجدَهُ واقفًا هناك، وجههُ متعبٌ لكنّ عينيه تحملانِ أملًا.

"أينَ زاركيث؟" سألتْ إيلورا.

"ذهب." قالَ آركان. "قالَ إنّهُ سيعود، لكنّهُ ليسَ عدوًا بعدَ الآن."

"وفاليريس؟"

"هرب." قالَ آركان. "لكنّنا سنجدُهُ."

نظرتْ إيلورا إلى السماء، حيثُ كانتْ الشمسُ تشرقُ لأولِ مرةٍ بعدَ أيامٍ من الظلام.

"انتهتْ الحرب." قالتْ إيلورا.

"لا." قالَ آركان. "انتهتْ معركة، لكنّ الحربَ مستمرة."

"لماذا؟"

"لأنّ فاليريسَ لا يزالُ طليقًا." قالَ آركان. "ونيراثُ لا يزالُ داخلكِ."

"أعلم." قالتْ إيلورا ووضعَتْ يدَها على صدرها. "لكنّني لستُ خائفة."

"لماذا؟"

"لأنّني لستُ وحدِي." قالتْ إيلورا وابتسمتْ. "هناكَ من يحميني، حتى من داخلِ روحي."

في تلك اللحظة، شعرتْ بنبضٍ دافئٍ في صدرها، كأنّ كاسيانَ يهمسُ لها: "أنا معكِ."


---

يتبع في الفصل الثاني والعشرين...


---
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.