RachaRacha2004

شارك على مواقع التواصل

📖 لعنة الظل وقلب الغابة


الفصل الثاني والعشرون: صيدُ السجّان

المشهد الأول: نبضٌ داخلَ الصدر

لم يكنْ الموتُ هوَ النهاية، بل كانَ البدايةُ لشيءٍ آخر، وعندما فتحتْ إيلورا عينيها تحتَ شجرةِ إلدورا، شعرتْ بأنّ شيئًا دافئًا ينبضُ داخلَ صدرها، ليسَ قلبها، بل قلبٌ آخرُ يشاركها النبض.

"كاسيان..." همستْ إيلورا ووضعَتْ يدَها على صدرها، وشعرتْ بنبضٍ خافتٍ يردُّ عليها. "أنتَ هنا."

لم يكنْ صوتًا يُسمع، بل كانَ شعورًا يُحس، كدفءِ شمسٍ في يومٍ شتوي، وكيدٍ تمسكُ يدَها من الداخل.

"أنا معكِ." جاءَ الصوتُ من داخلها، ضعيفًا لكنّه واضح. "لا تتركيهِ يهرب."

"من؟" سألتْ إيلورا بصوتٍ منخفض.

"فاليريس." قالَ الصوتُ. "هوَ لم ينتهِ، الخطةُ لم تنتهِ."

نهضتْ إيلورا ببطء، وآركانُ كانَ يقفُ بجانبها يراقبها بعينينِ تحملانِ سؤالًا لم يجرؤ على نطقهِ.

"هل هوَ معكِ؟" سألَ آركانُ.

"نعم." قالتْ إيلورا. "جزءٌ منهُ بقيَ في دمي."

"إذن..." قالَ آركانُ. "يمكنكِ تتبعَ فاليريس."

"كيف؟"

"لأنّ الدمَ الفضيّ..." قالَ آركانُ. "لا يزالُ متصلًا بهِ، هوَ من وضعهُ في كاسيان، والآنَ هوَ فيكِ."

نظرتْ إيلورا إلى يدِها، حيثُ كانتْ الندبةُ الفضيةُ قد اختفت، لكنّها كانتْ تشعرُ بخيطٍ رفيعٍ يربطها بشيءٍ بعيد.

"أشعرُ بهِ." قالتْ إيلورا. "إنّه في مكانٍ قديم."

"أين؟"

"كهفُ الهمسات." قالتْ إيلورا. "هناك حيثُ بدأَ كلُّ شيء."


---

المشهد الثاني: عودةُ الظلال

في قصرِ الليلِ الأبدي، كانَ زاركيثُ جالسًا على عرشهِ المكسور، والجروحُ في جسدهِ الظلاميّ لا تزالُ تنزفُ ظلًا أسود.

"لقد خسرتُ." قالَ زاركيثُ بصوتٍ مرير. "كلَّ شيء."

"لا." جاءَ صوتُ ميرالا من الزاويةِ المظلمة. "لا تزالُ هناك فرصة."

"أيّ فرصة؟" قالَ زاركيثُ. "إيلورا هزمتْ نيراث، وأنا..."

"إيلورا لم تهزمْ نيراث." قاطعتْهُ ميرالا. "بل أغلقتْهُ داخلها، وهذا أخطر."

"لماذا؟"

"لأنّ نيراث..." قالتْ ميرالا واقتربتْ منهُ. "سيستيقظُ مرةً أخرى، وعندما يستيقظ..."

"سيدمرُ كلَّ شيء." أكملَ زاركيثُ.

"نعم." قالتْ ميرالا. "ولهذا نحنُ بحاجةٍ إلى تحالف."

"تحالفٌ مع من؟"

"مع إيلورا." قالتْ ميرالا.

ضحكَ زاركيثُ ضحكةً مريرة. "بعدَ كلِّ ما فعلتُهُ؟ لن تثقَ بي أبدًا."

"لا تحتاجُ إلى ثقتها." قالتْ ميرالا. "تحتاجُ إلى مساعدتها، فاليريسُ هوَ العدوُّ الحقيقي، وهوَ من خططَ لموتِ أمها، وموتِ أبي آريسا، وموتِ جميعِ الحراس."

"أعلم." قالَ زاركيثُ. "لكنّني..."

"أنتَ تحبها." قالتْ ميرالا. "هذا لم يتغير."

صمتَ زاركيثُ طويلًا، ثمّ قالَ: "أينَ هي الآن؟"

"في طريقها إلى كهفِ الهمسات." قالتْ ميرالا. "للقضاءِ على فاليريس."

"إذن..." قالَ زاركيثُ ونهضَ ببطء. "علينا أنْ نسبقها."

"لماذا؟"

"لأنّ فاليريس..." قالَ زاركيثُ. "لن ينتظرها هناك، سيخرجُ منها."

"ماذا تعني؟"

"كهفُ الهمسات..." قالَ زاركيثُ. "ليسَ مكانًا، بل هوَ بوابة، وفاليريسُ يخططُ لفتحها."

"إلى أين؟"

"إلى عالمِ ما قبلَ الختم." قالَ زاركيثُ. "حيثُ لا قوانين، لا موت، لا حياة، فقط فوضى خالصة."

"علينا إيقافهُ." قالتْ ميرالا.

"نعم." قالَ زاركيثُ. "لكنّنا لن نفعلَ ذلكَ وحدنا."

"مع من؟"

"مع إيلورا." قالَ زاركيثُ. "رغمَ أنفها."


---

المشهد الثالث: الطريقُ إلى الكهف

كانتْ إيلورا وآركانُ يمشيانِ في الغابةِ الصامتة، والأشجارُ حولهما بدأتْ تستعيدُ حياتها ببطء، الأوراقُ الخضراءُ تعودُ إلى الأغصان، والطيورُ تبدأُ بالتغريدِ خجولة.

"هل تشعرينَ بهِ؟" سألَ آركانُ.

"نعم." قالتْ إيلورا. "فاليريسُ هناك، ينتظرني."

"لماذا لم يهرب؟"

"لأنّهُ يريدُ إنهاءَ ما بدأ." قالتْ إيلورا. "الختمُ الثالثُ كانَ جزءًا من خطته، وكاسيانُ كانَ جزءًا من خطته، وأنا..."

"أنتِ الهدف." أكملَ آركان.

"نعم." قالتْ إيلورا. "لكنّهُ نسيَ شيئًا."

"ماذا؟"

"أنّني لستُ وحدِي." قالتْ إيلورا ووضعَتْ يدَها على صدرها. "كاسيانُ معي، ونيراثُ معي، حتى زاركيثُ قد يكونُ معي."

"زاركيث؟" قالَ آركانُ باستغراب. "هل تثقينَ بهِ؟"

"لا." قالتْ إيلورا. "لكنّني أثقُ بأنّهُ يكرهُ فاليريسَ أكثرَ مما يكرهني."

"هذا قد يكونُ كافيًا." قالَ آركانُ.

وصلا إلى مدخلِ كهفِ الهمسات، لكنّ الفتحةَ كانتْ مختلفةً هذه المرة، فقد أصبحتْ واسعةً كمدخلِ قصر، والهمساتُ كانتْ صرخاتٍ واضحة.

"خائن..."
"قاتل..."
"سجّان..."

"هذه أصواتُ الحراسِ الذينَ قتلهم." قالَ آركانُ. "إنّهم يشهدونَ ضدهُ."

"إذن..." قالتْ إيلورا. "لن يدخلَ وحدَهُ."

"ماذا تعنين؟"

"سأدخلُ وأواجههُ." قالتْ إيلورا. "لكنّكِ ستبقى خارجًا."

"لا." قالَ آركانُ. "لن أترككِ وحدكِ."

"يجبُ أنْ تفعل." قالتْ إيلورا. "لأنّ ما بالداخلِ... ليسَ معركةَ سيوف، بل معركةُ أرواح."

نظرَ آركانُ إليها طويلًا، ثمّ قالَ: "إذا لم تخرجي خلالَ ساعة..."

"سأخرج." قالتْ إيلورا. "أعدكِ."

دخلتْ إيلورا الكهفَ وحدَها، والظلامُ ابتلعها فورًا.


---

المشهد الرابع: مواجهةُ السجّان

في قلبِ الكهف، كانَ فاليريسُ يقفُ أمامَ منصةٍ حجريةٍ قديمة، والخواتمُ الثلاثةُ كانتْ طافيةً في الهواءِ أمامهُ، لكنّها كانتْ مكسورةً ومتصدعة.

"جئتِ أخيرًا." قالَ فاليريسُ دونَ أنْ يلتفت. "كنتُ أعرفُ أنّكِ ستأتين."

"لماذا؟" سألتْ إيلورا وصوتُها كانَ يترددُ في الكهف.

"لأنّكِ مثلي." قالَ فاليريسُ والتفتَ إليها، وعيناهُ السوداوانِ لم تكونا تحملانِ أيّ رحمة. "نحنُ حراس، وهذا يعني أنّنا مستعدونَ للتضحيةِ بكلِّ شيء."

"بما فيهم الأبرياء؟" قالتْ إيلورا.

"الأبرياء..." قالَ فاليريسُ وضحكَ. "ليسوا إلاّ وقودًا للختم."

"أنتَ مجنون." قالتْ إيلورا.

"لا." قالَ فاليريسُ. "أنا واقعي، الختمُ يحتاجُ إلى طاقة، والطاقةُ تحتاجُ إلى أرواح، وهذا هوَ الثمن."

"لن أسمحَ لكَ." قالتْ إيلورا.

"ولن تستطيعي منعِي." قالَ فاليريسُ. "لأنّ الخاتمَ الثالثَ..."

أشارَ إلى الخواتمِ المكسورة.

"لم يكنْ لإغلاقِ نيراث، بل لفتحِ البوابةِ النهائية."

"أيّ بوابة؟"

"بوابةُ الفوضى." قالَ فاليريسُ. "حيثُ لا خير، لا شر، فقط وجودٌ خالص."

"هذا ليسَ وجودًا." قالتْ إيلورا. "هذا عدم."

"نفسُ الشيء." قالَ فاليريسُ.

فجأةً، اهتزّتْ الأرض، والخبواتمُ المكسورةُ بدأتْ تتجمعُ معًا.

"ماذا تفعل؟" صرختْ إيلورا.

"أعيدُ الختم." قالَ فاليريسُ. "لكنّ هذه المرة... سأكونُ أنا المتحكم."

"لن أنجح." قالتْ إيلورا.

"سنرى." قالَ فاليريسُ.


---

المشهد الخامس: تحالفُ الأعداء

خارجَ الكهف، كانَ آركانُ يراقبُ المدخل، وفجأةً ظهرَ زاركيثُ من الظلال.

"ماذا تفعلُ هنا؟" قالَ آركانُ وسيفُهُ مشهور.

"جئتُ للمساعدة." قالَ زاركيثُ.

"لماذا؟"

"لأنّ فاليريس..." قالَ زاركيثُ. "إذا نجح، سيدمرُ كلَّ شيء، بما فيهم ظلامي."

"إذن أنتَ تفكرُ في نفسكَ." قالَ آركانُ.

"نعم." قالَ زاركيثُ. "لكنّ هذا لا يغيرُ الحقيقة."

"ما هيَ الحقيقة؟"

"أنّنا نحتاجُ إلى بعضنا." قالَ زاركيثُ. "أنا، أنت، وإيلورا."

"إيلورا لن تثقَ بكَ." قالَ آركانُ.

"لا تحتاجُ إلى قوتي." قالَ زاركيثُ. "تحتاجُ إلى قوتي."

صمتَ آركانُ طويلًا، ثمّ قالَ: "ماذا تقترح؟"

"ندخلُ معًا." قالَ زاركيثُ. "أنا من الأمام، أنتَ من الخلف."

"وإذا هاجمتني؟"

"لن أفعل." قالَ زاركيثُ. "لأنّني إذا فعلتُ... ستموتُ إيلورا، وإذا ماتتْ إيلورا... ماتَ كلُّ شيء."

نظرَ آركانُ إلى زاركيث، ورأى في عينيه شيئًا لم يرهُ من قبل، صدق.

"حسنًا." قالَ آركانُ. "لكنّ أيّ حركةٍ خاطئة..."

"ستموت." أكملَ زاركيثُ. "أعلم."

دخلا الكهفَ معًا، والظلامُ حولهما كانَ كثيفًا كالدخان.


---

المشهد السادس: المعركةُ النهائية

في قلبِ الكهف، كانتْ إيلورا تقاتلُ فاليريس، لكنّ سيوفها لم تكنْ تصلُ إليهِ، لأنّهُ كانَ يتشكّلُ ويتبدّدُ كالدخان.

"لا تستطيعينَ قتلي." قالَ فاليريسُ. "أنا لستُ جسديًا."

"لكنّكِ لستِ وحدكِ." جاءَ صوتُ كاسيانَ من داخلها.

"ماذا تعني؟" قالتْ إيلورا.

"استخدمي الدمَ الفضي." قالَ كاسيان. "إنّه متصلٌ بهِ."

رفعتْ إيلورا يدَها، وشعرتْ بالدمِ الفضيّ في عروقها يتحرك.

"فاليريس!" صرختْ إيلورا. "أنا متصلةٌ بكَ!"

تجمّدَ فاليريسُ في مكانهِ.

"ماذا؟"

"الدمُ الفضي..." قالتْ إيلورا. "الذي وضعتهُ في كاسيان، الآنَ فيّ، وهوَ يربطني بكَ."

"هذا مستحيل." قالَ فاليريسُ.

"ليسَ مستحيلًا." قالتْ إيلورا. "لأنّ الحبَّ أقوى منْ أيّ سحر."

بدأَ الدمُ الفضيّ يخرجُ من مسامها، ويشكّلُ سلسلةً من نورٍ تربطها بفاليريس.

"لا!" صرخَ فاليريسُ. "هذا سيقتلنا جميعًا!"

"نعم." قالتْ إيلورا. "لكنّكَ ستموتُ أولًا."


---

المشهد السابع: التضحيةُ الأخيرة

فجأةً، دخلَ زاركيثُ وآركانُ الكهف، ورأيا المشهد.

"إيلورا!" صرخَ آركان. "توقفي!"

"لا." قالتْ إيلورا. "هذه هيَ الطريقةُ الوحيدة."

"لكنّكِ ستموتين!" صرخَ زاركيثُ.

"لا." قالتْ إيلورا. "لن أموت، لأنّ كاسيانَ معي."

نظرتْ إلى فاليريس، الذي كانَ يحاولُ فكّ السلسلة.

"انتهى الأمر." قالتْ إيلورا. "لقد خسرت."

"لا." قالَ فاليريسُ. "لن أخسر."

جمعَ كلَّ قوتِهِ، وانفجرَ ضوءٌ أبيضُ ساطع، وغمرَ الكهفَ كله.

صرختْ إيلورا من الألم، وشعرتْ بأنّ شيئًا يتمزقُ داخلها.

"كاسيان!" صرختْ.

"أنا معكِ." قالَ الصوتُ. "دائمًا."

ثمّ اختفى كلُّ شيء.


---

المشهد الثامن: ما بعدَ العاصفة

عندما فتحتْ إيلورا عينيها، كانتْ على الأرضِ خارجَ الكهف، والسماءُ فوقها صافية، والشمسُ تشرقُ بذهبهَا.

آركانُ وزاركيثُ كانا يقفانِ بجانبها، وفاليريسُ لم يعدْ موجودًا.

"ماذا حدث؟" سألتْ إيلورا.

"اختفى." قالَ آركان. "مع الانفجار."

"هل مات؟"

"لا نعلم." قالَ زاركيثُ. "لكنّهُ لن يعودَ قريبًا."

نظرتْ إيلورا إلى صدرها، وشعرتْ بالنبضِ الدافئ.

"كاسيان..." همستْ.

"هوَ معكِ." قالَ آركان. "لن يتركَكِ."

نهضتْ إيلورا ببطء، ونظرتْ إلى الغابةِ التي بدأتْ تستعيدُ حياتها.

"انتهتْ الحرب." قالتْ إيلورا.

"نعم." قالَ آركان. "لكنّ العالمَ يحتاجُ إلى إعادةِ بناء."

"سأساعد." قالتْ إيلورا.

"وأيضًا..." قالَ زاركيثُ. "أنا."

نظرَ إليهِ آركانُ باستغراب.

"لماذا؟"

"لأنّني..." قالَ زاركيثُ. "تعبتُ من الظلام."

ابتسمتْ إيلورا لأولِ مرةٍ منذُ أيام.

"إذن..." قالتْ. "لنبدأَ من جديد."


---

يتبع في الفصل الثالث والعشرين...
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.