وقف المفتش سمير أمام السيارة المحترقة، بينما كانت ألسنة النار الأخيرة تنطفئ ببطء تحت رذاذ رجال الإطفاء.
كان الضباط يركضون في كل اتجاه، يبحثون عن أي أثر لأحمد.
لكن دون نتيجة.
قال أحد رجال الشرطة:
— لم نجد جثة داخل السيارة يا سيدي.
لم يشعر سمير بالراحة.
اختفاء أحمد كان أسوأ من العثور عليه.
اقترب ضابط آخر وهو يحمل هاتفًا محترقًا جزئيًا.
— وجدنا هذا قرب الانفجار.
أخذه سمير بسرعة.
كان هاتف أحمد.
حاول تشغيله، وبعد عدة محاولات ظهرت شاشة مكسورة تتضمن رسالة غير مكتملة:
"...لا تثق بـ..."
ثم انطفأ الهاتف تمامًا.
شعر سمير ببرودة تسري في داخله.
لا تثق بمن؟
في صباح اليوم التالي، بدا مقر الشرطة متوترًا بشكل غير معتاد.
الكل يتحدث عن اختفاء أحمد، وعن الهجوم المتكرر لعصابة الدائرة الزرقاء.
دخل سمير غرفة التحقيق حاملاً ملفات القضية، لكنه توقف عندما رأى شخصًا ينتظره هناك.
العميد خالد.
رئيس الإدارة بنفسه.
كان رجلًا صارمًا في أواخر الخمسينات، ونادرا ما ما يتدخل مباشرة في القضايا.
قال العميد بلهجة حادة:
— هذه القضية خرجت عن السيطرة.
جلس سمير بصمت.
تابع العميد:
— مختبر تم اقتحامه، ضابط قُتل، وآخر اختفى… والصحافة بدأت تتحدث.
أجاب سمير ببرود:
— لأننا نواجه منظمة أكبر مما كنا نعتقد.
اقترب العميد منه قليلًا.
— أو لأن هناك أخطاء داخل فريقك.
رفع سمير نظره نحوه مباشرة.
— ماذا تقصد؟
صمت العميد لثوانٍ قبل أن يقول:
— هناك احتمال بوجود شخص يسرب معلومات للعصابة من داخل الشرطة.
ساد الصمت.
الجملة أصابت سمير كطلقة باردة.
تذكر رسالة الرجل المقنع:
"هل تثق بكل من يعمل معك؟"
قال العميد:
— كل تحركاتك كانت معروفة لهم مسبقًا… وهذا ليس صدفة.
ثم وضع ملفًا على الطاولة.
— لدينا تقرير عن تحويلات مالية مشبوهة مرتبطة بضباط في الميناء.
فتح سمير الملف بسرعة.
توقفت عيناه عند اسم معين.
الرائد سامي.
ضابط مسؤول عن مراقبة الشحنات البحرية.
قال سمير بدهشة:
— سامي؟
كان يعرفه منذ سنوات.
رجل هادئ وذو سمعة جيدة.
قال العميد:
— التحويلات تمت عبر حسابات مرتبطة بأحد أقاربه.
أغلق سمير الملف ببطء.
شيء ما لم يكن منطقيًا.
لو كان سامي متورطًا، فلماذا لم يختفِ بعد؟
في المساء، توجه سمير إلى منزل الرائد سامي دون إبلاغ أحد.
كان المنزل هادئًا بشكل غريب.
طرق الباب عدة مرات دون رد.
ثم لاحظ أن الباب غير مغلق بالكامل.
أخرج سلاحه ودخل بحذر.
الأنوار مطفأة.
أثاث الغرفة مبعثر، وكأن أحدهم فتش المكان بعنف.
تقدم ببطء داخل الممر حتى سمع صوتًا خافتًا يصدر من المطبخ.
اتجه بسرعة نحو الصوت…
ثم توقف فجأة.
كان سامي جالسًا على الأرض ووجهه مليء بالكدمات والدماء.
رفع رأسه بصعوبة عندما رأى سمير.
— كنت أعلم… أنهم سيرسلونك.
ركع سمير بجواره بسرعة.
— من فعل هذا؟
ضحك سامي بمرارة.
— الدائرة الزرقاء… عندما شكوا أنني أتعاون معك.
تجمدت ملامح سمير.
— إذًا أنت لست معهم؟
رفع سامي عينيه المتعبتين نحوه.
— كنت أراقب بعض الشحنات لصالح المخابرات منذ أشهر… حاولت جمع الأدلة سرًا.
سأل سمير بسرعة:
— ماذا تعرف عن محمود الكريمي؟
تنفس سامي بصعوبة.
— محمود مجرد واجهة… الشخص الحقيقي أخطر بكثير.
اقترب سمير أكثر.
— من هو؟
لكن قبل أن يجيب…
انطفأت الأنوار فجأة.
شعر سمير بالخطر فورًا.
ثم دوّى صوت رصاصة مكتومة.
اندفع سمير نحو الأرض غريزيًا.
وبعد ثانية واحدة، سقط سامي بلا حراك.
صرخ سمير:
— لا!
أضاء مصباحه بسرعة، ثم اتجه نحو النافذة المفتوحة.
رأى ظل شخص يهرب عبر الحديقة الخلفية.
ركض خلفه فورًا.
قفز الرجل فوق السور الخارجي، بينما تبعه سمير دون تردد.
استمرت المطاردة بين الأزقة الضيقة تحت المطر الغزير.
كان القاتل سريعًا ومحترفًا.
وفجأة، انعطف داخل شارع مظلم واختفى.
وصل سمير إلى نهاية الشارع وهو يلهث.
الشارع كان فارغًا.
لكن شيئًا واحدًا فقط تُرك على الأرض.
هاتف أحمد.
شعر قلبه بالانقباض.
فتح الهاتف بسرعة.
ظهرت رسالة فيديو قصيرة.
ضغط تشغيل.
ظهر أحمد على الشاشة، مقيد اليدين وفي مكان مظلم.
كان وجهه مليئًا بالكدمات، لكنه ما زال حيًا.
قال بصوت متعب:
— سمير… لا تأتِ وحدك… إنهم—
وفجأة انقطع الفيديو.
ثم ظهرت رسالة مكتوبة على الشاشة السوداء:
"إذا أردت رؤية صديقك حيًا… تعال إلى الرصيف 14 عند منتصف الليل."
تصلبت ملامح سمير.
الآن فقط فهم الحقيقة.
الرصيف 14 لم يكن كمينًا فقط…
بل كان بداية الفخ الحقيقي منذ البداية.