اندفعت سيارة المفتش سمير بسرعة عبر شوارع المدينة المبللة بالمطر، بينما كان أحمد يجلس بجواره يحاول الاتصال بقسم التقنية دون جدوى.
قال أحمد بقلق:
— لا أحد يرد… هذا ليس طبيعيًا.
لكن سمير لم يجب.
كانت عيناه مثبتتين على الطريق، وعقله يعيد ترتيب كل ما حدث خلال الساعات الماضية.
القرص الإلكتروني…
تحذير محمود الكريمي…
ثم الهجوم على المختبر.
كل شيء حدث بسرعة مخيفة، وكأن العصابة تسبقهم بخطوة دائمًا.
توقفت السيارة أخيرًا أمام مبنى إدارة الأدلة الجنائية.
كانت سيارات الشرطة تملأ المكان، بينما وقف رجال الأمن بوجوه متوترة.
ترجل سمير بسرعة واتجه إلى الداخل.
ما إن دخل المختبر حتى شعر بثقل الصدمة.
الأجهزة محطمة، الشاشات مكسورة، والملفات مبعثرة فوق الأرض.
وفي منتصف الغرفة…
كانت جثة عثمان ممددة قرب الحاسوب الرئيسي.
اقترب أحمد ببطء وهو يهمس:
— يا إلهي…
انحنى سمير بجوار الجثة.
لم يكن هناك أثر لطلقة نارية أو طعنة واضحة.
لكن على عنق عثمان ظهرت علامة حمراء غريبة تشبه مخالب دائرة زرقاء.
لاحظ سمير ورقة صغيرة موضوعة قرب يده.
التقطها بحذر.
كُتب عليها بالحبر الأسود:
"كل من يساعدك… يموت."
ساد الصمت داخل المختبر.
ثم قال أحمد بغضب:
— إنهم يسخرون منا!
لكن سمير بقي هادئًا بشكل مخيف.
كان ينظر حوله بعينين حادتين، يراقب تفاصيل الغرفة المدمرة.
وفجأة، توقف عند الحاسوب الرئيسي.
الشاشة كانت مكسورة… لكن جزءًا صغيرًا منها ما زال يعمل.
اقترب بسرعة وضغط عدة أزرار.
ظهرت ثوانٍ قصيرة من تسجيل كاميرا المراقبة قبل أن يتوقف.
ظهر في الفيديو رجل ملثم يقتحم المختبر مع اثنين آخرين.
لكن المدهش أن عثمان لم يبدُ مصدومًا عند رؤيتهم.
بل بدا وكأنه يعرف أحدهم.
قال أحمد بدهشة:
— انتظر… لقد فتح لهم الباب بنفسه!
أعاد سمير المقطع ببطء.
ثم توقف عند لحظة معينة.
أحد المهاجمين كان يرتدي خاتمًا فضيًا يحمل رمز الدائرة الزرقاء نفسه.
الخاتم ذاته الذي ظهر في صورة القرص الإلكتروني.
همس سمير:
— الرجل الثاني في الصورة…
سأل أحمد:
— هل تعتقد أنه نفس الشخص؟
أجاب سمير:
— أنا متأكد.
ثم ظهر شيء آخر في التسجيل.
قبل أن تنقطع الصورة تمامًا، كان عثمان يحاول قول كلمة أخيرة.
قرأ سمير حركة شفتيه ببطء.
"الرصيف… 21."
تبادل هو وأحمد نظرة سريعة.
قال أحمد:
— لكن الرسالة في القرص كانت عن الرصيف 14.
أجاب سمير فورًا:
— وهذا ما أرادونا أن نصدقه.
شعر أحمد بالحماس والتوتر معًا.
— إذًا العملية الحقيقية ستكون في الرصيف 21؟
وقف سمير ببطء.
— أو شيء أخطر من مجرد شحنة.
في مساء اليوم نفسه، وصلت فرقة خاصة بقيادة سمير إلى المنطقة البحرية القريبة من الرصيف 21.
كان المكان شبه مهجور، تغطيه الحاويات الضخمة والضباب الكثيف القادم من البحر.
قال أحد الضباط:
— لا توجد أي حركة هنا يا سيدي.
لكن سمير لم يقتنع.
كان يشعر أن هناك شيئًا مخفيًا.
ثم لمح فجأة ضوءًا خافتًا يصدر من مستودع بعيد قرب المياه.
أشار للفرقة بالتقدم بصمت.
اقتربوا بحذر شديد حتى وصلوا إلى باب المستودع.
سمعوا أصوات رجال يتحدثون بالداخل.
رفع سمير يده إشارة للاستعداد.
ثم اقتحموا المكان دفعة واحدة.
— شرطة! لا أحد يتحرك!
لكن الصدمة كانت بانتظارهم.
المستودع كان فارغًا تقريبًا.
لا مخدرات… لا شحنات… فقط طاولة معدنية يتوسطها جهاز حاسوب صغير.
اقترب سمير منه بحذر.
وفجأة، اشتغلت الشاشة تلقائيًا.
ظهر رجل يرتدي قناعًا أسود يخفي ملامحه بالكامل.
قال بصوت مشوش إلكترونيًا:
— مرحبًا أيها المفتش سمير.
شعر جميع الضباط بالتوتر.
تابع الرجل:
— أنت أذكى مما توقعت… لكنك ما زلت بطيئًا.
قبض سمير يده بغضب.
— من أنت؟
ضحك الرجل ضحكة باردة.
— شخص يعرف أنك اقتربت كثيرًا من الحقيقة.
ثم ظهرت على الشاشة صورة مفاجئة.
صورة لأحمد… ملتقطة قبل دقائق فقط خارج المستودع.
تغيرت ملامح الجميع.
أما الصوت فتابع بهدوء مرعب:
— أخبرني يا سمير… هل تثق بكل من يعمل معك؟
وفجأة انطفأت الشاشة.
وفي اللحظة نفسها، دوّى انفجار هائل خارج المستودع.
ركض الجميع نحو الخارج.
لكن سمير توقف فجأة عندما رأى سيارة أحمد مشتعلة بالكامل بالنيران.
أما أحمد نفسه…
فقد اختفى دون أثر.