كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل عندما توقفت سيارة المفتش سمير قرب الميناء القديم.
الضباب البحري الكثيف غطى الأرصفة، بينما كانت أصوات الأمواج ترتطم بالهياكل المعدنية للسفن المهجورة.
جلس سمير داخل السيارة للحظات، يحدق في رسالة التهديد على هاتف أحمد.
"إذا أردت رؤية صديقك حيًا… تعال إلى الرصيف 14."
كان يعلم جيدًا أنه يدخل فخًا.
لكنه لم يكن يملك خيارًا آخر.
أخرج سلاحه، ثم وضع جهاز الاتصال في أذنه وبدأ يتحرك بصمت بين الحاويات الضخمة.
المكان بدا مهجورًا تمامًا.
لا حراس… لا شاحنات… لا أي حركة.
وهذا ما جعله أكثر خطورة.
همس أحد الضباط عبر جهاز الاتصال:
— نحن نراقب المنطقة من بعيد يا سيدي.
أجاب سمير بهدوء:
— لا أحد يتحرك حتى أعطي الأمر.
تابع السير ببطء حتى لمح ضوءًا خافتًا قرب المستودع القديم عند نهاية الرصيف.
اقترب بحذر.
ثم توقف فجأة عندما رأى أحمد.
كان مقيدًا إلى كرسي معدني داخل المستودع، ورأسه منخفض وكأنه فاقد الوعي.
قبض سمير سلاحه بقوة.
— أحمد!
رفع أحمد رأسه ببطء.
كانت الكدمات تغطي وجهه، لكنه بدا حيًا.
قال بصوت متعب:
— لا تدخل… إنه فخ.
لكن قبل أن يتحرك سمير خطوة أخرى…
أُغلقت أبواب المستودع الحديدية خلفه بعنف.
ثم أضاءت الأنوار دفعة واحدة.
ظهر عدة رجال مسلحين فوق الممرات المعدنية المحيطة بالمكان، وكل أسلحتهم مصوبة نحوه.
وفي الطابق العلوي، ظهر الرجل المقنع نفسه.
الرجل الذي ظهر على شاشة الحاسوب سابقًا.
قال بصوت هادئ ومشوش إلكترونيًا:
— أهلًا بالمفتش سمير.
رفع سمير سلاحه مباشرة نحوه.
— انتهت اللعبة.
ضحك الرجل المقنع ببطء.
— بل بدأت الآن فقط.
اقترب من الدرابزين المعدني وأكمل:
— هل تعلم ما مشكلتك يا سمير؟ أنت تؤمن بالقانون… بينما نحن نصنع القواعد.
قال سمير بحدة:
— أنتم مجرد قتلة ومهربين.
رد الرجل بهدوء مخيف:
— ونحن أيضًا رجال أعمال… وأشخاص تراهم يوميًا دون أن تشك بهم.
شعر سمير بأن الكلمات مقصودة بعناية.
ثم قال الرجل المقنع:
— أخبرني… هل اكتشفت بعد من يسرّب معلوماتك؟
ساد الصمت.
أكمل الرجل:
— كل خطوة قمت بها كانت تصل إلينا خلال دقائق… أليس هذا مثيرًا للاهتمام؟
شعر سمير بالغضب يتصاعد داخله، لكنه حافظ على هدوئه.
— إذا كنت تريد قتلي، فلماذا كل هذه المسرحية؟
ابتسم الرجل المقنع خلف قناعه.
— لأنني أريدك أن ترى الحقيقة قبل النهاية.
ثم أشار بيده نحو شاشة كبيرة خلفه.
اشتغلت الشاشة فورًا.
ظهرت تسجيلات كاميرات مراقبة من داخل مركز الشرطة نفسه.
ثم ظهرت صورة جعلت الدم يتجمد في عروق سمير.
العميد خالد.
كان يتحدث مع محمود الكريمي داخل مكتب سري.
قال أحمد بصدمة:
— مستحيل…
أما الرجل المقنع فقال بهدوء:
— رئيسك الموقر كان يعمل معنا منذ سنوات.
تصلبت ملامح سمير.
كل شيء بدأ يتضح الآن.
تسريب المعلومات… فشل العمليات… معرفة العصابة بتحركات الشرطة.
قال الرجل المقنع:
— العميد خالد وفر لنا الحماية… ونحن وفرنا له المال والنفوذ.
ثم انحنى قليلًا نحو سمير.
— لهذا كنت تخسر دائمًا.
قبض سمير يده بقوة.
— أين العميد الآن؟
ضحك الرجل المقنع.
— قريب جدًا منك.
وفجأة…
صدر صوت تصفيق بطيء من خلف سمير.
استدار بسرعة.
كان العميد خالد يقف قرب الباب الحديدي، وبيده مسدس موجه مباشرة نحوه.
قال العميد بأسف بارد:
— كنت محققًا ممتازًا يا سمير… لهذا اضطررنا لإيقافك.
نظر إليه سمير بصدمة وغضب.
— كم شخصًا مات بسببك؟
خفض العميد نظره للحظة، ثم قال:
— في هذا العالم… الجميع يبيع شيئًا ما.
صرخ أحمد من الخلف:
— لا تستمع له!
لكن الرجل المقنع رفع يده فجأة.
وفي اللحظة التالية، دخل رجال العصابة وهم يدفعون صناديق ضخمة إلى داخل المستودع.
فتحوا أحدها.
ظهرت داخله أكياس مخدرات وأموال بملايين الدولارات.
قال الرجل المقنع:
— هذه مجرد شحنة واحدة… تخيل حجم الشبكة كلها.
ثم اقترب من أحمد ووضع مسدسه قرب رأسه.
— والآن يا سمير… أمامك خيار واحد.
شعر سمير بأن قلبه ينبض بعنف.
قال الرجل المقنع:
— إما أن تلقي سلاحك… أو يموت شريكك الآن.
ساد الصمت داخل المستودع.
ثم…
بدأ سمير بإنزال سلاحه ببطء.
لكن عينيه كانتا تراقبان شيئًا آخر خلف الرجل المقنع مباشرة.
خزان وقود كبير بجانب الممر المعدني العلوي.