الالآم والاحزان دائما تأتي في صمت الليل، يعشيها صاحبها وحده، ثم يصبح اليوم التالي من جديد وكأن شيئا لم يكن.
●●●
٥ - ١٢ - ٢٠١٨ مساءا في تمام الساعة ١:٠٠.
وصل نبيل الدهشان منزله الهادئ، في ليلة شتوية عاصفة بعد ان ركن سيارته الBMW في الجراج الخاص به تحت التلّه التي يقطن فوقها. قبل ان يفتح باب المنزل، تمسك بمقبض الباب في محاولة ان يثبت إتزانه. عاصفة رعدية تضرب السماء فتنيرها لوهلة. السماء مظلمة والامطار تهطل بغزارة. كان يشعر ببوادر حمى وعرق رغم برودة الجو من حوله. صوت أنفاسه هو الوحيد المسموع في هذا المكان. دخل المنزل فصدر صوت صرير الباب. لم يحكم اغلاق الباب فهو يعلم انه الوحيد الذي يسكن بهذه المنطقة. بتثاقل، خلع جاكيته وحذاءه من ماركة (Prada) وتركهما. إتجه بخطوات هادئة فهو بالكاد يرى المكان يدور من حوله وكأنه خرج من قطار الموت.
كان الهواء يلسع جروح وجهه المفتوحة وكل نفس يؤلم كدمات معدته الزرقاء. إتجه نحو الحمام الواسع الفاخر المصنوع من الزجاج والرخام. أغلق الباب خلفه وحينها بذات الوقت تتعتم الابواب الزجاجية فيصعب على من بالخارج رؤية ما داخل الحمام. جلس على طاولة رخامية بيضاء. نزع قميصه ببطء وكانت كل عضلة من جسده تئن. وجهه كان منتفخا وعليه أثر دماؤه التي نزفت من كثرة ضربات الحكيم التأديبية له. بالاضافة من الاساس تعبه السابق والحمى التي لازمته بفعل تقلبات الجو. أخذ علبة الاسعافات الأولية التي يضعها بحمامه إحتياطا للظروف المماثلة واخرج محتوياتها بهدوء وكأنه روتين صامت.
اخذ القطن بعد ان غمسه في البيتادين واخذ يطهر جرح خده وجبهته القريب من حاجبه الأيسر و شفته المفتوحة. مسح نزيف انفه و وضع اللواصق الطبية. اخرج مرهم طبي مخصص للالتهابات والكدمات ودهنه على كدمات معدته. لم يتأثر، لم يحزن، ولم يخف. ثم علت على شفتيه النازفتين ابتسامة وفقط. حدث نفسه قائلا :
فاكر نفسه مين؟
هو اللي ما حدد الهدف
بعدها يجي يضربني..
هو عارف كمان اني مش بحب الفئة دول...
ابتسم ثم اكمل قائلا اثناء وضعه للمرهم :
بس الصراحة... Parfait!
بعد أن انهى معالجة إصاباته بنفسه كعادته، قفز من على الطاولة رغم حرارته التي بدأت ترتفع نحو الأربعين درجة. شعر بحرارة الادرينالين في جسده كلما تذكر ما حدث له. لم يرتدي قميصه. خرج من دورة المياه متجها الى غرفته حافي القدمين. لم يفتح الضوء، اتجه صوب فراشه في هدوء ثم إستلقى. دفس نفسه في باطن اللحاف بعد ان راودته قشعريرة الحمى مجددا.
دي سخونية..
كمان مع أعراض زكام..
وبينما كان جفنيه يصارعان للنزول همس :
بكرا احسن..
●●●
الساعة ٣:٤٨ ص.
استيقظ مجددا، شاعرا بالحمى تأكل جسده، تعرق كثيرا في فراشه. شعر بثقل رأسه، وانفاسه باتت ضحلة. صدره كان يرتفع وينخفض ببطء. يشعر بدوار يثقل رأسه منعه من ان يرفعها. يرى اضواء بيضاء في سقف الغرفة المظلم وكأنها ومضات خيالية. أزاح اللحاف من على جسده..
ثم صمت مكانه مجددا، يرتاح من مجهوده هذا. كل حركة تحتاج لتخطيط وعدة حسابات. وقع نظره نحو نافذة غرفته، السماء في الخارج بدأت تضاء قليلا، لكن لا يزال هناك ساعتان على الشروق. انزل ساقه اليمنى فلمست قدمه الارض. شعر بالصداع يزداد في رأسه بقوة وكأنها قنبلة ستنفجر ان تحرك خطوة أخرى. تنهد بثقل وهمس وكأنه يجهز خطته لما سيفعله ان نهض :
خافض حرارة..
مسكن...
حبوب حساسية...
محتاج...
صمت مفكرا، ثم همس متذكرا تكشيرة وجه صديقه :
مش هموت هنا يا ذئب.. هقوم وهكسر ام تكشيرتك دي.
بصعوبة، جلس بحذر وفتح درج الكومود اللامع بالذهب و القريب من يمينه، ثم اخرج الحافظة التي يضع يها المسكنات والحبوب التي يحتاجها في مثل هذه المواقف. مد يده واخذ قلة الماء الفخارية التي يفضل شرب الماء منها. شرب الماء المخلوط بسائل الزهر العطري، فهو يرى انها هذا العطر يزيد انتعاش الماء. ما ان انتهى.. مسح على شعره الاسود، ثم تثائب بشدة. وعاد مكملا نومه، بعدما غطى نفسه باللحاف مجددا. بينما كان ينعم بهذه اللحظات، شعر بهدوء غريب... وكأن العالم كله اختفى ولم يبقَ سواه.