الماضي هو الوحيد القادر على كشف السبب النفسي لتصرفاتهم.
●●●
٢١-٣-٢٠٠٦
كان ثاني يوم من ايام عيد الفطر. كان سيف لتوه تم العاشرة من عمره. ذهب مع والدته وجديه الى ملاهي كبيرة في القاهرة، كخروجة للعيد. رغم كرهه ان يخرج للأماكن المزدحمة من صغره إلا انه لم يهمل مظهره فارتدى ثياب جديدة، تعطر، و رتب شعره.
خرج على مضض مع عائلته لتمثيل مشهد انهم أسرة جيدة مثلهم كمثل الأسر، يخرجون في ايام العيد للترويح عن ابنائهم واسعادهم. كان سيف طيلة الخروجة يريد فقط ان يعود للمنزل.
الاضواء صاخبة، الملاهي مزدحمة ومئات الطوابير على كل لعبة.
كره ان ينتظر طابور طويل لا نهاية له فقط لأن يركب في النهاية لعبة لا فائدة منها. كان يرى ان هذه الخروجة سخيفة من أولها لآخرها. رغم ذلك اشترت له والدته تذكرتين ليركب القطار السريع او بالأحرى قطار الموت.
اشترتها له والدته بحسن نية، هي فقط أرادت ان تسعد سيف ولو قليلا بأي شيء فيكفيها انها عرفت ان الملاهي لم تنل إعجابه.
فرشت والدته *سعدية* حصيرة كبيرة أخذت مساحة من الارض العشبية الندية. جلست مع والديها -جديّ سيف- وجهزت الاكواب الورقية وصبت الشاي من الترمس و احتست الشاي مع والديها أثناء انشغالهم بالحديث. كان موقع حصيرتهم قريب من نافورة رخامية بيضاء تنزل ماؤها بشكل مبهج.
الملاهي مزدحمة، بها انواع العاب مختلفة وعدة احواض للسباحة.
كان الناس يقفون مجتمعين في كل ركن يأخذون لقطات تصويرة. صوت الديجيه علا على اغنية "الليلة عيد" وظهر ثلاثة من المتنكرين بثياب شخصيات كرتونية واقفون على المسرح الصغير ليتمو فرحة العيد. ذهب سيف وحده الى الطابور الطويل الذي سيوصله للعبة التي سيركبها. الطابور كان مزدحما، شعر بضيق في صدره من كثرة التصاق الناس به ومن ازدحام المكان... السلم المؤدي للعبة كان ممتلئا مما زاد من خطورة ان يسقط احدهم من اعلاه فيرديه قتيلا فتنتهي فرحة هذه الليلة بحادث مأساوي بشع.
حدق للحظات في القطع الحديدة للعبة أمامه، فكر للحظات..
ماذا لو ألقى نفسه من أعلى هذا الدرج فيموت ويرتاح من هذه الضجة؟.
شرد للحظات في أفكاره. الاختلاط على هذا السلم مقيت لدرجة تثير التقزز. كان يشعر بارتجافات جسده كلما التصق به احد. الجو كان حارا. تسآئل في نفسه للحظات.. كيف لهذا الدرج ان يتحمل ثقل هذا الحشد؟. لا شك ان الاوزان عليه وصلت الى الالاف. لم يفكر.. حاول ان يركز على الحاضر فقط لينتهي من ركوب اللعبة والتخلص من التذكرة وسيغادر فورا هذه الملاهي اللعينة. فقط يغادر المكان وسيصرخ غضبا ليخرج ضيق قلبه هذا -الواجب عليه تحمله- ليركب لعبة غبية. من خلفه شعر بصدر مرأة، تجمدت دماؤه، تسارعت انفاسه وتوتر..
*لو سمحت؟*
التفت اليها سيف ببراءة.
*ممكن تيجي ورايا لان في راجل ورايا ومش هينفع يعني عيب كدا*
لم يفهم سيف مغزى الكلمات بالبداية ومن توتره لم يفهم ربع جملة مما قالت :
*ممكن تيجي مكاني؟*
اتسعت عيناه. لم يجب. غضبت المرأة التي كانت ترتدي عباية سوداء تبرز منحنياتها بدقة و ترتدي طرحة تظهر نصف شعرها.
لم يفهم ما سبب العصبية؟. لم يفهم لما دفعته المرأة بعنف الى الخلف واخذت مكان وقوفه؟. لم يفهم ماذا حدث بعدها؟.
توتر، إزداد غضبه، وشعر برغبه ان يصرخ، شعر بالغيظ. لكنه كبح.
كاد ان يسقط وتتحقق امنيته، لولا انه شعر بصدر رجل يثبته من الخلف. إلتفت خلفه. وجد رجالا كثيرين وبجواره طفل اخر يرتدي قميص ازرق وشورت أبيض. خلفه مباشرة يقف رجل يرتدي جلابية سوداء على رأسة عمامة.
يبدو ان هذا الرجل يقف مع ابنه ليوصله الى القطار.
هكذا فكر سيف.
صمت ولم يتحرك، منتظرا ان يتقدم الطابور اللعين. وإلا وفجأة. بدأ يشعر بيد أحدهم تتحسه من الخلف. لم يفهم ماذا يحدث؟ شعر بألم، لكنه لم يتحدث.
خجله الاجتماعي منعه من ان ينطق بكلمة.
حاول ان يتحرك بدفع نفسه قليلا الى الأمام ويبتعد عن من خلفه. لكنه استمر شعوره بتلك اليد الحقيرة التي تستحق القطع تتحسس جسده من الخلف. أراد ان يصرخ، ان يصفع، ان يسب، ان يفعل أي حركة توقف ما يحدث. لكن شدة الزحمة لم تكن تدعه حتى ان يأخذ نفسه بالكامل. الجميع منشغل يريد ان يأخذ دوره. منهم من يتحدث ويضحك أثناء انتظاره لتحرك الطابور. بينما كان سيف هنا.. وحيد.. لا احد يعلم بما يحدث.. لا احد يشعر به... لا احد اهتم له...
فجأة شعر باللاشيء.
شعر بصمت تام، لا حزن، لا فرح، لا سعادة، حتى مشاعر الغضب التي كانت تحتله منذ ان أتى هذه الملاهي.. اختفت..
لم يدافع، لم يتحرك لم يتحدث ولم يشتكي.
صمت تام وكأن شيء لم يكن وكأن ما حدث ليس له وانما لغيره.
لم يفكر، لم يفكر لما هو؟ ولماذا هذا في وقت كهذا؟.
اكمل الطابور في صمت. لم يقل شيء ولم يلتفت لمن خلفه ليرى وجه من صدمه فخدر مشاعره وحواسه بتلك الطريقة. شعر فقط برغبة ان ينام... ان يختفي...
أكمل الطابور، وسار معهم، كأنه لم يحدث شيء.
وصل الى اللعبة، أخذ العامل منه التذاكر وركب القطار ولعب. لم تتملكه مشاعر الحزن كما ظن. هذه المرة لم يجد شعور يتملكه من الأساس. وجد الفراغ وفقط.
ركب قطار الموت الذي كان يراه في البداية مخيفا ومهيبا. ما ان خرج منه حتى شعر بلا شيء. حتى الخوف هرب منه.
انتهى، وضاع وجه المجرم بين ذاك الزحام ولم يعد له أثر. لم يهتم سيف.
عاد لوالدته، ابتسم أمامهم. شرب عصير المانجو. لكنه لم يتحدث.
حتى عندما سألته والدته :
*انت كويس؟ حلوة اللعبة؟*
هز رأسه بشرود : *اه حلوة*
قالها بمرارة خفية أثناء عودته لتذكر تلك اللمسات.
في النهاية غادروا. سار سيف معهم لكن على مسافة بعيدة غير معتادة عنهم. سار صامتا. شعرت والدته بشيء غريب لكنها لم تعرف ما هو..
كانت تراقب صمته بين الحين والآخر على أمل ان يتحدث معها في أي شيء من الاشياء التي يحب الحديث عنها. حتى وان كان سيشرح لها المادة التي درسها فهي مستعدة ان تسمع فقط ان تطمئن قلبها انه بخير. لكن الصمت طال، فلامت نفسها..
هل أخطأت عندما قررت ان تذهب بهم الى هذه الحديقة؟ هل الازدحام أزعجه لتلك الدرجة؟ لكن في نفس الوقت هي تريد منه ان يكون إجتماعيا...
قالت محاولة تخفيف ثقل الصمت :
*انا اسفة كنت فاكرة ان الملاهي هتعجبك*
انقطع شروده وإلتفت نحوها بسرعة، رغم انه لم يشعر بشيء إتجاه كلماتها إلا انه أدرك ان صمته كان ثقيلا عليها بزيادة. قال بسرعة :
*لا لا كانت جميلة، عادي، طبيعي، دي زحمة العيد*
●●●
وصلا الى المنزل. خلع سيف حذاءه في صمت بينما شعرت والدته بذاك الثقل الذي لم يفارقها منذ ان كانت بالحديقة. ظنت لوهلة انه قد يكون متعب. سألت :
*ايه تعبان؟*
*لا احسن دلوقتي، شكرا*
ثم اغلق باب غرفته مستعدا ان ينام. أعتم غرفته بالكامل إلا من ضوء القمر الذي يتسلل عبر النافذة. جلس على سريره، تأمل سقفه الشاحب للحظات. وفكر...
الازدحام.. اللمس.. الضجة.. الدوار.. الصمت.
تثائب واستلقى على السرير. شعر بألم حاد مباغت يفتك بمعدته لكنه لم يهتم. حدق في السقف وسؤال واحد يدور في خلده..
*ليه انا؟ ليه هي عملت كدا؟ ليه حطتني مكانها؟ ليه حصل كدا فيوم زي دا؟*
لكنه لم ينتظر ان يبحث عن الاجابات فسرعان ما غفى.
●●●
كان من المفترض ان يكون يوم سعادة وبهجة على الاهالي والاطفال. إلا سيف فقد كان بالنسبة له يوم غارق في اعماق السواد. يوم مشؤوم ينتظر كل سنة ان يمر وينتهي في صمت جدران منزله الخالي. منذ ذلك اليوم وسيف لم يعرف شيء سوى الصمت.. الفراغ .. الهدوء. وكأنه روح ميته بجسد حي.
مرت عشرة أعوام اخرى على هذا الحال. اكمل تعليمه... حياته وكل شيء... وكأن شيء لم يكن. ألا ضيفا جديدا صار دخيلا على حياته الى ان اعتاده.. ألا وهو القتل سرا.
يقتل ليفرغ ألمه في ضحاياه الذين يختارهم دوما الذين يرتدون الجلابيب. يقتل لينتقم.. ليفرغ غضبا كبحه في وقت كان أحق له ان يصرخ. خلال عشرة سنين لم يكتشفه احد. احترف المجال. واستمر عليه. الى ان اتم العشرين من عمره وذات يوم اثناء جلوسه في احدى الكافيهات الهادئة يقلب مشروبه وينظر بتركيز على ضحاياه اللذين يضعهم من ضمن قائمته. اقترب منه احدهم. يرتدي معطف ابيض. نظارة طبية. شعره اسود وعلى خده علامة ندبة قديمة.
جلس ذا المعطف الابيض أمامه بعدما اتخذ كرسي ليجلس بجواره.
*شايفك قاعد لوحدك*
اكمل سيف تقليبه لكوبه قائلا دون ان يعطه نظرة.
*ملكش دعوة ومتقربش احسنلك*
*متقلقش انا مش هعمل حاجة، انا حابب بس اعرض عليك عرض*
رفع سيف نظره اليه في صمت، أدرك من هيئته انه طبيب.
*ايه رأيك تشتغل معايا وانا هوفرلك كل اللي تحتاجه؟*
*اشتغل معاك ازاي وانت طبيب نفساني؟*
*لا في شغلة تانية اظنك بتحترفها*
تجمدت نظرة سيف على الحكيم ظنا منه للحظات انه قد كشف.
اقترب الحكيم من وجهه، قرب فمه من اذنه وهمس :
*تبقى واحد من رجالي، يكون لك مهام قتل، وانا صراحة كنت براقبك وشفت انك محترف بما فيه الكفاية ومناسب*
قال الحكيم جملته الأخيرة بينما يضع يده يمررها على وجهه. ارتجفت خلايا سيف للحظات لكنه ظل ثابتا. همس. ممسكا اصابعها وازاحها عن خده بعنف حتى سمع صوت طقطقة العظم.
*شيل ايدك احسنلك*
*اوف، لا براحة يا ولا*
أردف : *طيب خلاص، هعديها بس عشان انا عارف سبب تحفظك دا بس ها؟ ايه رأيك اوكيه؟*
اتسعت عينا سيف للحظات. نظر الى الحكيم. وشعر لوهلة بخوف.
*من هذا؟ ماذا يعرف بالظبط؟ ماذا يريد مني حقا؟*
هز سيف رأسه بمواقفه دون ان ينبس ببنت شفة.
●●●
وبالفعل، بعد مرور ثلاثة اعوام من ذاك الاتفاق، تم العقد بينهما ان يكون سيف احد رجالة الحكيم. وفر له الحكيم منزل. وملبس. ومأكل. ومشرب. وأعطاه فرص منح دراسية لبلدان مختلفة.
لفرنسا، واسبانيا واميركا وايطاليا... ومن كل بلدة اكتسب لغتها.
وبالإضافة على فرص وفيرة أكثر بالقتل.
كانت والدته سعيدة بتقدمه وتفوقه لكنها لا تردي حقيقة ما يخفيه. لم تكن تعلم ان ابنها الوحيد اصبح قاتلا..
كانت تشجعه وتفتخر به ودعمه.
الى ان أتى ذاك اليوم.
كان في الثالثة والعشرين من عمره عندما عاد للمنزل و وجد والدته وجهها منتفخا، أحمرا، وبه أثر البكاء.
نهرته وصرخت به وقد كانت خائفة ومرعوبة منه.
أدركت الحقيقة ان ابنها التي تعبت من أجله، ما هو إلا قاتل. حدث بينهما شجار، حاولت ان تطرده من المنزل لكنه لم يتحرك. علم ان هناك من أعلمها بأن ابنها قاتل وبل ليؤكد لها هذا الامر أرسل لها صور تم إلتقاطها لسيف أثناء عمله بالقتل. هددته ان يسلم نفسه لقسم الشرطة وإلا هي من ستفعل ذلك. كانت خائفة تحاول خلق مسافة شاسعة بينها وبينه. لم يشعر سيف بأي حزن او غضب او قلق إتجاه الموقف.
كان هادئا وكأن مشاعره مدفونه تحت سطح ماء جليدي. انهارت والدته، شعرت برغبة بالماء وعطش شديد من شدة نحيبها...
قال بأدب وهدوء : *استني يا امي هجيب لك ماية*
ذهب الى المطبخ، احضر كوبا، فتح الصنبور وملأه بالماء الفاتر المنعش. كل شيء طبيعي إلا ان الأمر الوحيد الغير طبيعي هو إخراجه من جيبه كيس صغير أبيض اللون. ثم أفرغ محتوياته في الكوب.
كانت المادة لا ترى بالعينين المجردتين. وكأنه لم يضع شيئا.
أحضر الكوب لوالدته ببرود أعصاب تام.
مد الكوب لها، رمقته وقالت :
*لا مش هشربه*
*براحتك، بس انا مش بقتل غير بقناصة بس*
تشككت للحظات. كانت تود ان ترفض لكن تعبها منعها. اخذت الكوب وابتلعته.
●●●
قتلها بدم بارد يجعلك تشك ان اعصابه قد ماتت منذ ثلاثة عشر عام. لم يهتم. لم يبكي. ولم يشعر بشيء.
وكأن من قتلها ليست هي التي حملته في رحمها عشرة شهور نظرا لتأخر ولادته. غادر المنزل ولم يعد له منذ ذاك اليوم. كان آخر مرة فيه هو عندما أتم هذه المهمة. غادر ولم يلتفت خلفه وقد تمنى من قبل لمرات عديدة ان كان قد مات قبل ان يصل لهذه المرحلة. ان كان قد مات قبل ان يعيش ذاك اليوم في الملاهي.
لكن ما التمني إلا طلبا للمستحيل.
غادر وعاش بعدها بقية حياته وحيدا، مصنفا تحت خانة رجال الحكيم الأشداء.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد سيف يبحث عن الحياة… بل عن الصمت الذي سرق منه في العاشرة.