SalmaHamdy1

Share to Social Media

البيئة هي أحد العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية.
●●●
١٩-٧-٢٠٠٠
استيقظ الطفل الصغير ذا التسعة أعوام على صوت تحطيم زجاج، صراخ، بكاء.
كان صوت والدته تستغيث. قفز قلبه من شدة الرعب وهرع نحو مصدر الصوت. والده كان في حاله سكر، يده ملوثة بدماء. اتسعت عينا الصغير رعبا. ادخل رأسه من فتحة الباب ليرى أين والدته؟.
كان اول ما خطر في عقله هو ان والدته قد أصيبت. والدته كانت على الارض، حولها الدماء، تصرخ، تبكي. وتضع يداها على اذنيها.
لم يرى نبيل اي جرح بها يدله عن مصدر الدماء.
سمع والده يهددها بنبرة تحذيرية :
*انتي عاوزة ايه يا واطية مني؟*
شهقت *جميلة* والدة نبيل. قالت برجاء ورأسها في الارض.
*اه.. لا خلاص ارجوك ابوس ايدك مش عاوزة حاجة*
كسر الزجاجة على رأسها. صرخت.. بكت..
صرخت بهيستيرية اثناء ضربها لرأسها بحركات عشوائية، بينما جحظت عيناها : *خلاااااااص، سيبني.. سيبني.. سيبني... اههههههه*
بكت وبكت ثم بكت.
شهد الصغير ذاك المشهد، لوهلة شعر بالرعب عندما رأى هيسيرية والدته تلك، ظن انها ستموت. ببراءة وشجاعة اندفع الطفل الى الغرفة فاتحا الباب على مصرعيه. قبل ان تصل الزجاجة الثانية لرأس أمه صاح والدموع تتلألأ في عينيه.
*خلاااص كفاية! سيبها!.*
اندفع نحو والدته وفصل بين والديه وفتح ذراعيه،
صرخ باكيا وبعدوى من هيستيرية والدته :
*خلاص كفاية، سيبها ارجوك، عشان خاطري، اي حاجة بس سيبها، متموتهاش دي ماما..*
لكن الصغير الذي ظن ان شفاعته تلك لوالدته ستكفي وسترحمها من بطش الاب... اتسعت عينا *حازم* وتطاير الشرر من عينيه.
هل رحم الصغير الباكي الخائف؟.
لا.. ففي قاموس حازم لا يوجد شيء بهذا المعنى.
حطم الزجاجة على رأس الصغير، بصق في وجهه، وركله.
وكأنه ليس ابنه.. ليس من صلبه.
رغم ذلك تحمل الصغير ما لايطيقه طفل في مثل سنه. لم يتحرك ولم يبتعد عن والدته وظل حاضنا إياها ظنا منه انه بجسده الهزيل سيستطيع ان يخفيها ويحميها.
ما ان انهى حازم تفريغ غضبه في جسد ابنه الضعيف الناتج عن سوء التغذية. غادر الغرفة بعد ان سبهم سبة بذيئة واصابع قدمه تؤلمه من ضربه لنبيل *الهيكل العظمي* كما يدعي.
●●●
تلك الليلة نامها نبيل بجوار والدته. اما عن والده فمنذ ان غادر لم يعد. تلك الليلة لم ينمها نبيل بسهولة. كثيرا ما تتسارع انفاسه فجأة، تتحرك عينيه تحت جفونه، فيستيقظ مفزوعا عدة مرات، يتحسس بيده في الظلام الدامس وجود والدته بجواره ثم يعود للنوم. في الساعة الثالثة استيقظ مجددا. قبل ان يرفع يده سبقته يد امه تحتوي كفه الصغير.
همست بصوت جاهدت ان تخفي نبرة البكاء :
*اهدى انا هنا.. نام..*
سكن قلبه المتوتر وهدأ للحظات، أردفت :
*لما تضايق طبطب عليا* قالتها ممسكة بيده وتضعها على ذراعها.

عاد لنومه.. وهكذا ظل صغير، كلما شعر بالخوف، ربت على والدته. وكأنه يهدأ توتره بهذا.
●●●
استمرت بعدها حياتهم. والده اصبح يغيب كثيرا عن المنزل، قد يأتي مرة او مرتين بالشهر وفقط. لا احد يعلم اين يذهب. ظن الصغير ان علاقة والديه قد انتهت. في الحقيقة.. لم يهتم في ان يسأل عنه.
بعد ان تم الرابعة عشر وانهى الاعدادية أتى والده ذات يوم مقررا ان يخرج نبيل من التعليم. نظرا لتدهور الظروف. وحالتهم الاقتصادية سيئة.  وعلاجات والدته المكتئبة و الكثيرة التي لم تعد تكفهم المصاريف في سداد الديون.
اعترض نبيل... شعر بالغضب، شعر انه لا يحق له ان يأخذ حقه هكذا وهو من الاساس هجرهم منذ زمن. قرر ان يعمل بنفسه كي يوفر مصاريف دراسته. كان طموحا يريد ان يكمل تعليمه ليتخرج من كلية جيدة تعينه ماديا ويسعد والدته. اصبح يشتغل ديلفيري في مطعم كشري كبير. يدرس من بعد الظهيرة وبعد المغرب يذهب للعمل وبعد الفجر ينام.
ومرت السنوات، انهى الثانوية، ودخل كلية دراسات انسانية قسم علم نفس. ما زال يعمل كديليفري، يشتغل مساءا ويدرس صباحا.

١١-٤-٢٠١١
ذاك اليوم كان فارقا في حياة نبيل.
كان يوم عمل عادي في البداية. زبونة جديدة طلبت طبقين كشري حجم كبير وطلبت شطة بزيادة. أخذ الطلب، وضعه بالصندوق وارتدى خوذته. قاد دراجته النارية بسرعة جنونية متجها نحو موقع اللوكيشن. وصل الى العمارة الفاخرة. سار ببطأ نحو البوابة. صعد درجتين، وضغط على زر المصعد. فتح الباب ويبدوا ان احدا كان به. كان رجلا أنيقا يحمل بوكيه ورد احمر، يرتدي بدلة سوداء مكوية بعناية، شعره لونه برتقالي وطويل وبه بعض الخصلات البيضاء.
وقف نبيل الشاب العشريني في صمت واضعا مسافة بينه وبين الرجل الاخر. بينما الاخر كان ينظر له بطرف عينه بين الحين والاخر وكأنه يريد ان يتعرف عليه. كان نبيل يمسك كيس الطلب بحرص حذرا ألا ينقلب الطبقان. رائحة المصعد تحولت الى رائحة الكشري الفواحة والشهية.
شرد نبيل للحظات في باب المصعد. لم ينتبه لمن يقف بجواره. لكن انفه التقطت فجأة رائحة العطر المميزة!. رائحته.. رائحة والده!.
نظر الى وجهه، لا يستطيع تذكره، لكنه متأكد انه هو نفسه والده. تعجب.. فلماذا سيأتي والده لهذه البناية؟
لم يتحدث. ظل صامتا وقرر فقط ان يراقب..
بعد دقائق، زادت شكوكه اكثر عندما وجد والده يتجه معه نحو شقة الزبونة...
دق نبيل الجرس. فتحت له فتاة شابة، مثيرة ترتدي الاحمر والقصير.. وشعرها طويل ناعم..
سرعان ما انزل نبيل نظره للارض، لم يتوقع ان تظهر له بهذا المنظر البشع!. شعر بكتف والده ترتطم به فرفع نظره فوجد والده قد دخل الشقة وكأنه منزله.
لم يمهله الوقت ليستفسر، سرعان ما لاحظت الفتاة ثبات نبيل فأعطته المال على عجل واغلقت الباب في وجهه. اختفى الاثنان من امام نظره. ظل واقفا.. سمع أصواتا من الداخل فأدرك ان الاثنان لا يزالان قريبان من الباب..
*وحشتني يا حازم*
*وانتي كمان*
ضحكت بدلع وقالت : *طلبت اكل عشان لو جعنا*

بدأت الاصوات بعدها تختفي وتبتعد، لم يحتمل نبيل ان يظل واقفا وهو يعلم بالخيانة.
نزل وخرج من العمارة. وصل الى دراجته. خلع خوذته وثبتها وبدل ثيابه. تأكد من جيبه. ثم نصف ساعة وصعد مجددا. كان يشعر بسخونه دمائه في عروقه. بخطوات سريعة إتجه نحو الشقة 3 في الدور الخامس. فتحت له ذات الفتاه. بملابسها الفاضحة، لكن الاختلاف كان ان شعرها لم يعد مرتبا...
وجدت الفتاة شابا يرتدي قميص ابيض وسروال كحلي انيق.
كادت الفتاة ان تنطق متسائلة عن هويته وماذا يريد.. لكن نبيل أسكتها بطلقة من مسدس كاتم في صدرها.
أسكتها للابد..
وقعت امامه جثة هامدة. اقتحم الشقة. كان يعلم انه سيجد والده في احدى الغرف. دخل المنزل بهدوء. سمع صوت والده مناديا :
*في ايه يا سمر؟*
ابتسم نبيل ولم يجب. اتجه داخل المنزل الرائق نحو الغرفة التي يصدر منها صوت والده. بهدوء تسلل وما هي إلا ثوانٍ حتى فوجئ حازم الذي كان مستلقيا على السرير يحدق بالسقف بوقوف ابنه عند رأسه. اتسعت عيناه مندهشا همس :
*انت؟*
*اه انا*
قالها نبيل اثناء طغضته على الزناد وطلق رصاصة في صدره. ثم واحدة في فمه الذي كان مفتوحا. واخرى في رأسه.
حدث ذلك في صمت. الستائر تتحرك بفعل رياح النافذة ولا احد هنا يعلم بما يحدث. ابتعد متجها نحو الباب، لم يبكي، ولم يخف ولم يتأثر. بل بالعكس شعر بهدوء تام يجتاح كيانه.. ابتسم.
همس : *خاين، حقير...*
اتجه نحو باب الشقة. وجد الجثة ما زالت عند الباب. ركلها للداخل ثم أغلق الباب. تاركا كل شيء خلفه. اخذ المصعد اتجه للبوابة، وغادر العمارة. خلع قفازيه، و وضعهما في جيبيه.
●●●
عاد لمنزله في هدوء وكأنه لم يرتكب شيئا. دندن اغنيته المفضلة اثناء صعوده للسلالم. أدار المفتاح في الباب وتثائب. نظر الى ساعة يده، كانت تشير الى التاسعة. فتح المنزل فتفاجأ بالصمت. ليس الصمت المعتاد.. صمت له نمط عميق..
أين والدته؟ لا يعلم. هل غادرت؟ ايضا لا يعلم.
اغلق الباب بقدمه بهدوء. نادى :
*ماماا*
*امي*
*أُماهو*
لكن لا رد. انعقد حاجباه. اتجه نحو غرفتها. كانت مظلمة. فتح الضوء فأنارت النجفة غرفة النوم. اتسعت عينيه في صدمة مما رأى. توقف قلبه للحظات. دماء..
دماء كثيرة..
الآن لاحظ مصدر الدماء بوضوح. جرح في معصم والدته. عيناها مغمضتين. و وجهها بلون الورق. وشفتيها زرقاوتين.
اتجه نحوها...
صدرها ساكن.. لا حركة. وضع يده عند انفها..  لا هواء. عند عنقها.. لا نبض كذلك.. جلس بجوارها في صمت.. ظل ينظر إلى وجهها الشاحب طويلا. مد يده وأمسك كفها.. كما كانت تفعل معه في صغره. لكن هذه المرة كانت يدها باردة.. بلا حياة. شد على كفها قليلا.. ثم تركها ببطء.
همس بهدوء: *كنتي ضعيفة*
●●●
منذ ذلك اليوم. ونبيل يكره قتل الضعفاء.. فقط يستمتع بكسر الأقوياء. أدرك من بعدها ان المشاعر لن تنقذ احدا. وان العقل وحده هو المهم. بعد موتها.. فقد نبيل آخر خيط يربطه بالإنسانية.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.