مجرم أنيق لكن ليس كل مجرم ولد مجرما وانما له ماضي وقصة مثله كمثل من حوله.
●●●
١١-١٢-٢٠١٨
استيقظ نبيل بعد الساعة التاسعة بعدما رن منبهه ستة عشر مرة. بتكاسل نهض من سريره وكاد ان يتعثر بسبب اللحاف الملقى على الأرض. صوت ببغاءه الرمادي الأفريقي يصدر من صالة منزله وييتحدث دون توقف منذ ان رن المنبه أول مرة في تمام الساعة السادسة. ضوء الشمس ينير كل غرفة بمنزله. ابتسم لرؤيته هذا الضوء فهو يشعره بطمأنينه وهدوء. إتجه نحو دورة المياه. غسل وجهه وبدل ملابسه. نظر للمرآة. فوجد أمامه شاب ثلاثيني ذا شعر اسود وفك وانف بارزان. حدق في من أمامه لثواني محاولا تذكر خذا الوجه.
اخيرا بعد لحظات تمكن من معرفة نفسه وشكله، غسل وجهه مرة أخرى، ثم جففه وخرج...
تثائب اثناء سيره نحو المطبخ ليحضر لنفسه كوب قهوة سادة بدون سكر. كادت ان تفور القهوة لولا انه لحقها في اخر لحظة.
رغم ان لديه ماكينة قهوة إلا انه من عادته الصباحية وقت القرآءة ان يصنع كوب قهوة من على البوتجاز. اتجه بعدها نحو كرسييه المفضل، جلس ثم من على الكومود المجاور له سحب كتابه الذي كان يقرأ به وفتح ضوء الأباجورة. كان كتاب في علم النفس الجنائي. ارتدى نظارته الطبية ذات العدسات الدائرية والاطار الاسود القوي ثم بدأ ينغمس في عالم القراءة.
بعد ساعتان. نزع نظارته فرك بين عينيه بتعب ولا يزال أثر تعب الاسبوع الماضي عالق به. نهض مقررا ان ينتقل للخطوة التالية في جدوله اليومي وهو تناول أكلته المفضلة التي لا يمل منها.
<بيتزا ايطالية بالجبن.>
كان لديه مخزون وفير من البيتزا المجمدة في فريزر الثلاجة. اخرج له علبة و وضعها بالميكرويف منتظرا ان يتم تسخينها...
●●●
الجميع يضع الكاتشب على قطعة البيتزا، عدا نبيل يضع عليها عصير نصف ليمونه.
بعد ربع ساعة من التسخين اخرج نبيل البيتزا بحذر ثم قام بعصر الليمون عليها. أثناء انشغاله في المطبخ كان ببغاءه لا يكف عن الصراخ..
*نبيل.. نبيل.. نبيل.. نبيل..*
مر نبيل من جواره وتأفف لهذا الصوت الذي ينقر برأسه من الصباح، فرغم ان ببغاءه محبوس في قفص ذهبي مزين بورد وموقف عن الحركة الطائشة، إلا انه لا يوجد شيء يوقف صوته المزعج ذاك. تجاهله نبيل ولم يلتفت له. اكمل الطائر :
*جعان.. جعان.. جعان.. جعان..*
ايضا اكمل نبيل أكله قائلا بضجر :
*اسكت بقا صدعت*
شعر بألم في رأسه من الجهة اليسرى. ليتذكر مجددا ذاك اليوم..
●●●
٨ - ٨ - ٢٠٠٦
ذلك اليوم الذي تغير من بعده مجرى حياته بأكملها.
كان يوم رائق الجو وهادئ... ذهب مع والديه وهو ابن خمسة عشرة عام ذاهبين الى المستشفى لمتابعة فحوصات حمل والدته. كان نبيل يشعر بسعادة لأخته الجديدة التي لم تخرج الى العالم بعد ولا تزال تسكن رحم والدته. كانت سيارتهم بيضاء صغيرة بها الكثير من الاعطال التي لا تنتهي. والدته كانت في حالة مزاجية سيئة ناتجة عن الالام الحمل التي لا تطاق. كان والده عينيه جاحظتين في غضب وقلق وارهاق، يركز نظره أمامه في الطريق.
لم يمر الوقت بسلام فليست من عادة اسرة الدهشان ان تنعم ببعض الهدوء دون مشاكل. تشاجر الوالدان. غضب جمال الدهشان والد نبيل واثناء انهياره وإنفلات أعصابه الناتج عن الشجار وانخفاض ضغط دمه، فقد قدرته عل القيادة. هرب الرديكسيون من بين يديه ولم تعد قدمية تساعدانه على الفرملة. بصعوبة استطاع ان يوجه السيارة للجهة اليمنى متجنبا حادثة وشيكة مع احدى السيارات فباغتته من حيث لا يدري شاحنة نقل ضخمة امامه وإلتبس بها.
صرخت الام صرخة. اتسعت عينا جمال. بينما نبيل الذي كان على وشك ان ينام استفاق مفزوعا. لم تطع الفرامل قدم جمال حينما ضغط عليها اكثر من مرة. تطبقت السيارة من الامام. تكسرت النوافذ والزجاج وفتحت ابواب السيارة بتلقائية. الوسادات الهوائية خففت من اصابات الابوين بينما نبيل لم يساعده شيء. تلقى خبطة بليغة في رأسه. ما ان إلتفت امه نحوه لتطمئن عليه حتى فزعت من منظره. دمائه كلها لطخت ثيابه ورأسه. ظنت لوهلة انه ميت حينما رأت عينيه شبه مغمضتين. تنفسه كان بطيء. وكأنها نهايته....
شهقت الام.. صرخت.. بكت... بينما جمال لم يتأثر بشيء لكن كي يوقف صوتها الذي ثقب طبلة اذنيه اخذ نبيل للمستشفى...
الام الملكومة، خائفة على ولدها الوحيد. جمال كان صامتا يراقب بجمود دون ان يخفض له جفن. حالة نبيل كانت حرجة. اخذه الاطباء وفعلو له اللوازم. بعد ساعتين من دخوله للطوارئ والعمليات. نجح الاطباء في معالجة اصاباته. لكن نبيل لا يزال نائما...
كانت الام تبكي غير مصدقة حالها.... شعرت بالم حاد في معدتها وفقدت الوعي... بعدما استيقظت علمت انها اضطرت ان تسقط طفلتها فقد كانت صحتها ضعيفة وحياتها كانت في خطر.. عالج الاطباء جروحها هي ايضا..
اما عن جروحها النفسية فلم تتعافى. ظل نبيل اسبوعين في العناية المركزة في غياب تام. في عالم اخر.. لا ندري اهو الموت؟ ام الحياه؟ ام ما بين الاثنين؟.
في اليوم الخامس عشر استيقظ.
استيقظ نبيل اخيرا من غيبوبته. فرحت الام وبكت وسجدت من الفرحة لسلامة ولدها. لكن المفاجئة كانت حينما اصبح نبيل من بعد تلك الحادثة لا يستطيع تذكر او حفظ وجوه من حوله في ذاكرته. بعد شهرين من هذا الاكتشاف. وذهابه لأطباء عدة، البشريين والنفسيين ودكاترة الاعصاب والمخ تم تشخيصه يوم ٢٣-٨-٢٠٠٦ بأنه مصاب بإضطراب عمى الوجوه.
اضطراب لا يمكنه من معرفة وجوه من حوله. حتى والديه وأحيانا في الحالات الشديدة قد لا يتذكر وجهه. يشعره دوما انه تائه ومتحير. يشعره بإختلاف عن من حوله. منذ ذلك اليوم وقد قررت ذاكرته ألا تحفظ صورة لأي احد مهما كان. قد يقابلك للتو.. وما ان يغادر حتى يعود لنسيان شكلك مرة اخرى.
لم يعرف نبيل يومًا من يلوم…
والديه؟
أم الظروف؟
أم ذلك المنزل الذي لم يعرف الهدوء يومًا؟.