SalmaHamdy1

Share to Social Media

الصمت لغة تفهم، وللحب أشكالا أبلغ غير الكلام.

●●●
١-١-٢٠١٩

في منزل سيف. كانا الاثنان مجتمعان في الصالون. سيف يرتب أكوابه في صمت. ونبيل الذي كان في زيارة له كان يشاهد التلفاز  بملل.
*مفيش حاجة ممتعة بدل القنوات البايخة دي؟*
*مش عاجبك اقفل التلفزيون أوفر*
أغلق نبيل التلفاز، نهض وتجول بالشقة، عاد الى الصالة فوجد ان سيف انتقل من وقوفه امام النيش الى جلوسه على الأريكة الزيتونية اللون. جلس نبيل. حدق بالشاشة المطفأه للحظات، ثم لعقارب الساعة، ثم نهض مرة اخرى.
تحرك ذهابا وإيابا. وقف في منتصف الصالة. نظر الى سيف الذي كان يحدق بتفاصيل السجادة.
ابتسم نبيل ابتسامته المجنونة التي تدل على انه سيفعل شيئا غبيا، همس قائلا : *اااه بدأ العرض*
أردف محدثا نفسه لكن بصوت عالي وكأنه يقصد بذلك أحدهم أن يسمعه : *عارف.. ساعات بحس انك مش بشري.. تمثال بس بيتحرك*
لم يلتفت اليه سيف ولم يجب. اكمل :
*انت علطول كدا؟ صمت وصمت وصمت؟*
لم يجب سيف لكن عينيه إتجهتا نحو نبيل في صمت.
*اوف هو انا جاي زيارة ولا جاي اموت؟*
اقترب نبيل. جلس بجوار سيف بحذر وكأنه يختبر رد فعل حيوان بري. لم يجد رد، وضع يده على كتف سيف.. رمقه سيف نظرة تحذير باردة. شعر نبيل بالمتعة، اقترب اكثر، رغم علمه بما سيحدث...
لم يدم للحظات، فجأة لكمة عنيفة وشرسة تلقاها نبيل في فكه. نزفت شفته وأنفه. ابتسم واضعا يده على شفته النازفة.
*اوه.. الذئب بدأ يتكلم*
لم يستطع ان يقول جملة أخرى فقد سدد له سيف لكمة أقوى. تراجع نبيل، تعثر ارضا. لكمة، ثانية ثالثة. صدره، وبطنه وضلوعه وكتفه..
يضرب وكأنه يريد القتل فعليا.
اتسعت عينا نبيل للحظة متذكرا شيئا من الماضي.
*سيف*
لكن سيف لم يكن موجودا، كان غائبا، كان ينظر من خلاله يرى ذكرى قديمة.. عيد.. طابور.. ملاهي.. ازدحام..

توقف سيف للحظة، يده ملطخة بالدم، نبيل وجهه مشوه. ظل نبيل صامتا، لا لوم، لا غضب.
شيء آخر.. ربما هو سعيد الآن في انه استثار حاسة من حواس الذئب مرة أخرى. بصق الدم على الأرض قائلا بسخرية :
*خلاص ولا لسة؟، بس بعد كدا لما تحب تضرب كدا قول الاول نروح الجيم تفرغ طاقتك في كيس ملاكمة مش في وشي*
لم يجب سيف، نهض، وابتعد. إتجه نحو حوض المطبخ. غسل يده بهدوء وكأن ما حدث بينهما الآن ليس إلا أمرا عاديا.
حاول نبيل ان ينهض من على الارض. كل عضلة تئن، رأسه يدور وعينه تحتها كدمة زرقاء. شفته مفتوحة، فكه متورم، انفه لا تكف عن النزيف. لم يساعده مرفقاه على حمل جسده لينهض. زفر ببطء فآلمته الكدمات. استلقى على الارض وحدق في السقف.  خرج سيف من المطبخ يجفف يده، نظر اليه. لا يزال مكانه. صامت والالم واضح به.
*على فكرة يا ذئب ضربك بيوجع* قالها نبيل محاولا رسم ابتسامة سخرية لكن الالم منعها.
لم يجب سيف، لم يهتم.
لم ينتظر نبيل ردا. زفر مقررا أخذ قيلولة خفيفة وسينهض بعدها.
إتجه سيف نحو السفرة. جلس وتصفح هاتفه بعد ان وجد نبيل قد غرق في نومه.
●●●
مرت نصف ساعة. رفع سيف نظره نحو ذاك الجسد النائم على أرضية منزله والذي لوث الارضية بالدماء. لاحظ اضطراب التنفس. كان نبيل نائما على جنبه الأيسر ويده اليسرى تحته في وضعيه غير مريحة. ورأسه مائل. قميصه الأبيض تلوث ببقع دماءه. نهض سيف واقترب منه. جلس القرفصاء بجواره فلاحظ تفاصيله بشكل أدق. تورم الفك. والكدمة التي بدت داكنة وخط الدم النازف من شفته الى ذقنه. وانفه التي ما زالت تنزف لكن بشكل أبطأ وأقل. لاحظ كيف الدماء تتجمع في فمه، فتسيل من زاوية فمه المفتوح، فتسقط قطرة على الارض البيضاء. واخرى عليها فتمتزجا.
هز كتفه برفق لم يتوقعه من نفسه.
*نبيل*
لا اجابة.. بالطبع لا اجابة!.
زفر حرك رأسه، فمالت، فخرجت الدماء بشكل اكبر.
أدرك..
*نزيف*
امتعض وجهه للحظات، متذكرا كيف ضربه بعنف لم يكن يقصده، كان يعلم تماما ان ضربه ذاك لا شك انه سبب نزيفا داخليا.
نهض، وإتجه نحو المطبخ، فتح الادراج، واخرج منها علبة الاسعافات الأولية. اقترب مرة اخرى. جلس بجواره وفتح العلبة.
أخرج الضمادات والمطهر ومرهم كدمات وشاش.
بإصبعيه الوسطى والسبابة فتح جفنيه. وجد العينان ذاهبتان لأعلى قليلا.
*اغماء عميق*
زفر ثم نظر لوجه صديقه الذي شوهه بيداه، شعر بشيء بداخله.. شعور غريب وجديد لم يراوده من قبل..
*غبي.. انت أغبى واحد يا نبيل*
قالها ثم بدأ عمله. مسح الدم من على وجهه، وضع الضماد عند انفه ليمتص الدم. لمس تورم الفك بأنامله بحذر. دهن المرهم ثم انتقل الى أزرار قميصه. فتحها بهدوء، ظهرت العلامات.
كدمات قديمة صفراء بجوارها كدمات حديثة التي سببها.
وجد تورم أحمر شديد عند الضلوع، في ذات الموضع الذي ضربه به عدة مرات دون وعي.
دهن المرهم بعدها على الجروح. ما ان انتهى نهض وغادر الصالة للحظات. عاد مجددا معه مناشف مبللة، مسح الدماء التي لوثت الارض. مرت بعدها ساعة، عاد مقتربا من نبيل وهزه مرة اخرى..
*نبيل. اصحى*
تحرك نبيل للحظات أوقف حركته شعور الالم الذي عاوده، بدون قصد تأوه.
*اه.. اوف*
زفر بعدها، لا يزال مغمض العينين، ارتجف جفناه للثوانٍ قبل ان يفتحهما. كانت الرؤية مشوشة، غير واضحة، لكن نظره بدأ يتركز على وجه سيف الذي كان بجواره.
تحركت شفتاه هامسا، لم يسمعه سيف فوضع اذنه عند فمه..
*.. بيتزا...مخ..*
لم يعرف سيف ما يفعل، لكن زاوية فمه ارتفعت في ابتسامة. أدرك انه لا يزال في حالة بين اليقظة والنوم. تنهد نبيل، ثم فتح عينيه و نظر الى سيف مجددا وقال  : *جعان*
استعجب سيف، كيف لرجل فاق من الموت والضرب واول شيء يقوله انه جعان...  لاحظ نبيل شروده وصمته وقال :
*يا ذئب.. بقولك جوعان*
ابتسم سيف : *انت عجيب*
*عارف بس لسه جعان*
*خلاص عندي بيتزا*
*بيتزا؟ انت بتاكل بيتزا؟*
لم يجب سيف، نهض متجها للمطبخ. رغم انه لا يحب البيتزا، إلا انه لا يعلم لما احضر في المرة السابقة بعد زيارة نبيل له علبة بيتزا احتياطية، ربما اخبره حدسه انه سيأتي مرة اخرى. سيأتي وسيحتل أريكته ومنزله كعادته.
*هات معاك ليمون*
*عارف*

●●●
وهكذا قضيا وقتهما، لم يعاتبه نبيل على الضرب، ولم يخاصمه، ولم يتركه في ذات الوقت. هكذا يستمتع وهكذا يفهم شفرات صمت صديقه.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.