بدون الإختلاف بين الطرفين لن تكتمل أي العلاقة.
●●●
٢٠-١٢-٢٠١٨
وصل الملثم الى حيث نقطة الاتفاق تحت كوبري قديم.. خلال لحظات، صوت تكحيط كفرات سيارة ما يقطع صمت المكان. وصل نبيل بقيادته المجنونة. صدر الكثير من الدخان من سيارته. انكمشت تعبيرات وجه سيف ممتعضا ولم يتحدث.
ركب السيارة في صمت مغلقا خلفه الباب بعنف. نظر اليه نبيل بطرف عينه لعله يجد تعبير اخر غير التكشيرة.
لاحظ سيف وقوف السيارة تنهد وقال أثناء فتحه للنافذة :
*انجز وبطل استهبال*
*ليه بس يا صديقي الصدوق.. دا احنا رايحين ع المتعة المفروض تفرفش*
لم يجب سيف. أدار نبيل محرك السيارة قائلا :
*وانت عارف اني مش بحب اللي معنوياتهم في الارض*
لم يجب سيف فضغط نبيل على البنزين وقال :
*انا نفسي افهم ليه انت دايما لاوي بوز كدا، فيه حاجات كتير حلوة في الحياة لعلمك*
لم يجب سيف لكن قدمه بدأت تهتز في عصبية، لاحظ نبيل الحركة فقال :
*اوبس.. Pardon يا برو*
لم يلتفت له سيف فبدأ نبيل طريقه. ساد الصمت لنصف ساعة، ظل سيف يراقب حركة الاضواء خارج النافذة وفقط.
شعر نبيل ان الصمت يثقل على قلبه فقطعه قائلا :
*بس برضوا مش عارف ليه دمك حامي كدا.. خليك ريلاكس*
همس سيف : *صبرني يا رب*
ثم أردف : *انت ما بتعرفش تسكت؟*
ابتسم نبيل لنجاحه أخيرا في استثارة حاسة من حواس صديقه الصامت وقال : *لا*
●●●
وصل الاثنان الى وجهتهما. نزل سيف من السيارة وتبعه نبيل. دخلا العمارة الشاهقة. كانت تبدوا وكأنها شركة. ركبا المصعد في صمت، نبيل مرتدي قفازه الجلد الاسود، سيف يضع الوشاح يخفي به وجهه. وصل المصعد الى الطابق الخامس عشر. فتح الباب على ممر هادئ خال من الحركة. سارا بهدوء وصدى صوت خطواتهما هو الوحيد المسموع.
*انت إركن بندقيتك على جنب، انا هقدر اخلص الموضوع بدون صوت*
همس بها نبيل لسيف. لم يجب الملثم مكملا سيره. وقفا امام باب ابيض اللون. طرقه نبيل ثلاثا.
أتى الصوت خشن من الداخل : *ادخل*
دخلا الاثنان. رفع *الأستاذ رفعت مدير شركة التغذية* نظره نحوهما. كان منشغلا في الكتابة ولم ينظر لمن دخلا عليه ظنا منه انه احد موظفيه. لكنه لمح اقدام الداخلين، وما ان رفع رأسه ليرى من الموجود حتى قابلته رصاصة سريعة غادرة في منتصف جبهته.
بدون صوت بدون مقاومة ودون اثارة للجلبة.
تلاشت ابتسامة نبيل، فتح فمه في صدمة غير مصدق ما تراه عيناه. في لحظة انتهت المهمة ومعها كل شيء.
نظر الى سيف الذي كان ينفخ على فواه مسدسه الكاتم للصوت. أعاد سيف مسدسه في خاصرته بحركة تلقائية وببرود عادي. لم يهتم بنبيل.
حدق به نبيل للحظات قبل ان يصيح :
*انت بجد ايه اللي عملته دا؟*
لم يلتفت له سيف وهمَّ ان يغادر .
*ايه عندك مشكلة؟ نفذت مهمة الحكيم كان طلبها مننا*
انفجر غضبا : *هاديك بتقول بعضمة لسانك -مننا- انت بقا ايه؟... في ثانية خلصت الموضوع لوحدك*
*احنا مش في سيرك استعراض*
اقترب منه نبيل ممسكا ذراعه ليستوقفه.
*مش قصدي سيرك بس ع الاقل تراعي اني موجود واني كمان مفروض اشارك، مش تهملني كأني حتة جزمة واخدها في رجلك*
نظر إليه سيف شزرا، في حركة مباغتة ارجع كوعه للخلف فأصاب صدر نبيل فتحررت ذراعه من يد نبيل. لم يلتفت الى الم نبيل من الحركة وقال :
*ايدك ومتقربش مني كدا.. فاهم؟*
ابتسم نبيل مستمتعا وهمس : *عنيف*
*وانت مزعج*
*هكسر تكشيرتك دي*
●●●
ركبا الاثنان السيارة بعدها عائدين من حيث أتيا. قاد نبيل هذه المرة السيارة بهدوء نظرا لإستمرار الالم منذ ضربة سيف له. رغم ذلك لم يتحدث ولم يلومه.
قطع نبيل الصمت : *اضحك*
لم يجبه سيف. فضغط نبيل اكثر على البنزين مزودا السرعة فجأة. تحرك سيف بتلقائية مندفعا للامام.
*بطل استهبال ارواحنا مش لعبة*
*وانا بشوف ان المكشرين ملهمش مكان*
لم يجبه سيف. بتلقائية، فتح درج التابلوه الذي أمامه لتظهر زجاجات الخمرة. رغم ان نبيل لا يشرب، ألا ان في درج سيارته يضع زجاجات تخص سيف يحتفظ بها هنا ان احتاجها يوم ما يكونا مجتمعين بسيارة نبيل.
رمقه نبيل بطرف عينه أثناء تركيزه بالقيادة قائلا : *متشربش كتير، عقلك مهم*
لم يجب سيف وأكمل شربه للزجاجة.
مرت اربعين دقيقة الى ان وصل نبيل لمنزل سيف. خلالها كان سيف قد وصل الى حالة شبه نائم. فاقد لعقله وحتى أدنى ذرة تركيز. ركن نبيل السيارة بهدوء ونظر الى صديقه النائم.
*هتعرف تنزل؟*
بالطبع لم يجب سيف لكن نبيل لاحظ اضطراب تنفسه. شعر بالخطر يقترب. خرج من السيارة متجها لباب فيلة سيف. فتحه ونظر اليه مجددا. وجهه منكمش من الالم وتنفسه المضطرب اصبح اكثر وضوحا.
*سيف ما تهزرش، ارواحنا مش لعبة*
قالها أثناء مسكه لذراع صديقه في محاولة إخراجه. خرج سيف معه بصعوب شاعرا بدوار يلف عقله. ساعده نبيل في الحركة وإتجها معا نحو المنزل. اخرج نبيل مفتاح الشقة من جيبه، فكلا الاثنان يملك نسخة لمفتاح شقة بعضهما البعض. بصعوبة كان سيف يقف معه... كان صامتا ولم يمنع القرب هذه المرة.
إتجه به نبيل نحو الغرفة. ساعده ان يستلقي.
شعر سيف ببعض الراحة لوصوله للمنزل همس مجددا قبل ان يغمض عينه وينام.
*الاكسجين*
انتبه نبيل، سرعان ما فتح درج الكومود. اخرج الجهاز، ضغط على الزر، ورفع رأس سيف برفق وركب القناع في وجه صديقه.
شعر براحة هو ايضا عندما رأى راحة تنفس صديقه بمجرد ان وضع القناع. فتح سيف عينه للحظات، نظرته كانت مشوشة، لكنه لمح قرب نبيل.
حدق به نبيل للحظات وكأنه يحاول حفظ ملامح صديقه قبل ان ينساها. همس نبيل و وضع يده على كتف سيف، ثم أنزلها ممرها على صدره :
*شفت قد ايه انا راجل نبيل؟ للاسف خسارة قليل اللي بيقدروا*
رغم تعب سيف إلا ان لسانه السليط لم يتوقف. رمقه ممسكا يد نبيل بعنف وكأنها سيكسر له معصمه.
*ايدك يا حيوان، والله لهوريك*
ضحك نبيل حتى دمعت عيناه، ازاح يده ببطء وقال :
*اوبس بس بجد بعشق استفزازك*
لم يجب سيف، أدار ظهره ودفس نفسه في اللحاف وقال :
*امشي من هنا*
نهض نبيل قائلا بتمثيل :
*اوف بالسهولة دي؟*
نظر حوله في الغرفة ثم أردف :
*لا انا لازم أعوض الكالوريز اللي حرقتها في غضبي*
امسك بعدها معصمه وبنظرة تمثيلية :
*بعدين انت كنت هتكسر ايدي*
لم يجب سيف ولم يلتفت له. ساد الصمت للحظات ثم قال بهدوء :
*عندك اكل، اتزفت خلص وامشي*
ابتسم نبيل وهو يتجه للمطبخ،
بينما كان سيف قد غرق بالفعل في النوم.