Qaed

Share to Social Media

لم يكن توم ويلسون يؤمن بالقصص التي يتداولها الناس عن الأماكن الملعونة أو البيوت المسكونة.
كان مصورًا بريطانيًا في الثانية والثلاثين من عمره، يعمل لصالح مجلة متخصصة في السفر والطبيعة. وخلال السنوات العشر الماضية، زار عشرات الدول، وتسلق الجبال، وعبر الصحارى، وصور الغابات القطبية، دون أن يخيفه شيء أكثر من ضياع بطارية الكاميرا في الوقت الخطأ.
لكن رحلته إلى روسيا كانت مختلفة منذ اللحظة الأولى.
هبطت الطائرة في سانت بطرسبورغ بعد ظهر يوم رمادي من أيام شهر نوفمبر.
كان المطر الخفيف يغسل نوافذ المطار، بينما غطت الغيوم السماء حتى بدت المدينة وكأنها فقدت لونها.
وقف توم أمام بوابة الوصول وهو يحمل حقيبة ظهر سوداء، وكاميرته الاحترافية معلقة حول عنقه.
ابتسم وهو يستنشق الهواء البارد.
"هذا ما كنت أبحث عنه."
كان هدف الرحلة بسيطًا، عدة أيام داخل المدينة، ثم الانطلاق بالسيارة إلى القرى الريفية لتصوير الشتاء
الروسي الحقيقي.
بعد ساعة كان يقود سيارة دفع رباعي مستأجرة، بينما يعرض جهاز الملاحة طريقًا يمتد مئات الكيلومترات
عبر الغابات والبحيرات.
كان يستمتع بالقيادةن لقد كانت الطرق شبه خالية، الأشجار الصنوبرية تمتد بلا نهاية.
الضباب ينساب بين الجذوع كأنه نهر أبيض.
توقف أكثر من مرة لالتقاط الصور، حيث كان كل شيء بدا مثاليًا.
مع حلول العصر، ابتعد كثيرًا عن المدينة..أصبحت إشارات الهاتف ضعيفة، ثم اختفت تمامًا.
لم يهتم، بل شعر بسعادة أكبر.
كان يبحث عن العزلة، وبعد دقائق...تغير كل شيء..بدأت الرياح تعصف فجأة.
في البداية ظنها موجة برد عابرة، لكن السماء أظلمت بسرعة غريبة.
بدأ الثلج يتساقط، ثم تحول إلى عاصفة حقيقية، وأصبحت الرؤية لا تتجاوز أمتارًا قليلة.
أمسك المقود بقوة..كانت السيارة تهتز تحت ضربات الرياح.
قال لنفسه وهو يبتسم بتوتر:
"حسنًا... ربما حان وقت العودة."
لكن جهاز الملاحة انطفأ..نظر إليه باستغراب، وضغط زر التشغيل..لا استجابة.
ثم انطفأت شاشة السيارة نفسها لثانيتين قبل أن تعود..تردد صوت تشويش قصير من الراديو...
رغم أنه كان مغلقًا.
ثم عاد الصمت..استمرت العاصفة تزداد عنفًا..لم يعد يرى الطريق.
كان يقود ببطء شديد، وفجأة...ظهرت أمامه لافتة خشبية نصف مدفونة في الثلج.
كُتب عليها باللغة الروسية اسم قرية لم يكن قد رآه على الخريطة، فانعطف نحو الطريق الضيق
المؤدي إليها.
بعد عدة دقائق...بدأت البيوت الخشبية تظهر وسط الضباب، كانت صغيرة وقديمة.
أسقفها مغطاة بالثلج، مداخنها تنفث دخانًا أسود. الغريب...أنه لم يكن يرى أي أطفال، ولا سيارات.
ولا حتى كلابًا، فقط عدد قليل من الأشخاص يقفون أمام بيوتهم بصمت.
جميعهم كانوا ينظرون إلى سيارته، دون أن يلوح أحد، ودون أن يبتسم أحد، وكأنهم كانوا ينتظرون وصوله.
أوقف السيارة بالقرب من ساحة صغيرة، ونزل منها وهو يرتجف من البرد.
اقترب منه رجل مسن يرتدي معطفًا صوفيًا طويلًا، كان وجهه مليئًا بالتجاعيد، وعيناه زرقاوين شاحبتين
بشكل غير طبيعي.
سأله توم بالإنجليزية:
"هل يوجد فندق قريب؟"
لم يجب الرجل..ظل يحدق فيه لعدة ثوان..ثم تحدث بإنجليزية بطيئة:
"لا يوجد."
تنفس توم براحة..على الأقل الرجل يفهمه.
قال:
"هل توجد أي غرفة للإيجار؟ ليلة واحدة فقط."
نظر العجوز إلى بقية سكان القرية، وبادلوا النظرات فيما بينهم، وكأن السؤال يحتاج إلى موافقتهم جميعًا.
ثم أشار بيده نحو أطراف القرية.
"هناك بيت، صاحبه لا يرفض الضيوف."
ابتسم توم.
"ممتاز."
لكن العجوز لم يبتسم، بل قال بصوت منخفض:
"إذا دخلت...فابقَ حتى الصباح."
استغرب توم العبارة.
"وماذا لو خرجت؟"
ساد الصمت..ثم أدار العجوز ظهره ورحل.
قاد سيارته حتى نهاية الطريق. كان البيت يقف منفردًا عند حافة الغابةن منزل خشبي ضخم.
ثلاثة طوابق، ذات نوافذه طويلة، وسقفه مائل بشدة. بدا أقدم من بقية بيوت القرية بعشرات السنين.
رغم العاصفة...كانت إحدى النوافذ مضاءة بضوء أصفر خافت.
شعر أخيرًا بالاطمئنان.
"إذن هناك أحد بالداخل."
أخذ حقيبته وصعد درجات السلم الخشبي، وقبل أن يطرق الباب...انفتح ببطء وحده.
دون أن يلمسه أحد..توقف مكانه، ثم سمع صوت رجل عجوز يأتي من عمق المنزل.
"ادخل...البرد يقتل الغرباء."
ابتسم توم بخجل.
"شكرًا."
دخل، وأغلق الباب خلفه، وفي اللحظة نفسها...انطفأ صوت الرياح تمامًا، وكأن العاصفة بقيت خارج
المنزل فقط.
كان الداخل دافئًا بصورة غريبة، ورائحة الخشب القديم تملأ المكان، الأثاث عتيق لكنه نظيف.
ومصباح زيت يتأرجح فوق السقف.
وضع حقيبته على الأرض، فنظر حوله.
"هل يوجد أحد؟"
لم يسمع جوابًا، فقط صوت ساعة حائط قديمة...تدق ببطء، دقة...ثم أخرى.
فصعد الدرج وهو ينادي صاحب المنزل، لكن الطابق الثاني كان خاليًا، والثالث أيضًا.
لم يجد أحدًا، ثم عاد إلى الطابق الأرضي وهو يشعر بحيرة متزايدة.
لقد سمع صوت الرجل بوضوح، فأين اختفى؟
وبينما كان يلتفت...لفت انتباهه إطار خشبي كبير معلق فوق المدفأة.
اقترب منه..كانت صورة فوتوغرافية قديمة بالأبيض والأسود، يظهر فيها صاحب المنزل أمام الباب نفسه.
وخلفه مجموعة من الغرباء، رجال ونساء، يرتدون ملابس من عصور مختلفة.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروق توم...أن أحد الواقفين في الصف الخلفي...كان يشبهه تمامًا.
نفس الوجه، نفس الابتسامة، حتى الندبة الصغيرة أسفل ذقنه..حدق في الصورة غير مصدق.
ثم قلب الإطار بحذر، فوجد على ظهره عبارة مكتوبة باللغة الإنجليزية، بخط باهت كأنه كُتب
منذ عشرات السنين "عدت أخيرًا."
وفي اللحظة نفسها...صدر من الطابق العلوي...صوت خطوات بطيئة.
رغم أنه كان قد تأكد قبل دقائق...أنه لا يوجد أحد هناك.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.