Qaed

Share to Social Media

تردد صوت الطرقات الثلاث في أرجاء الكوخ.
دق...دق...دق...ثم جاء الصوت مرة أخرى، هادئًا وواضحًا:
"هنري... افتح الباب."
كان الصوت صوت توم نفسه، نفس النبرة، نفس اللكنة البريطانية، حتى طريقة التنفس بين الكلمات
كانت متطابقة.
شعر توم ببرودة تسري في أطرافه، ونظر إلى هنري. كان الرجل العجوز قد أصبح شاحبًا كالجليد.
همس وهو يبتعد عن الباب:
"لا تجبه...ولا تتكلم."
ساد الصمت..ثم عاد الصوت، هذه المرة أكثر لطفًا.
"لا تخف...أنا في الخارج...وأنت في الداخل."
أغمض توم عينيه بقوة..كان يسمع نفسه...لكن من خلف الباب.
فجأة...توقفت الطرقات..مرت دقيقة كاملة، ثم اثنتان. لم يعد هناك أي صوت.
اقترب هنري بحذر من النافذة الصغيرة، وأزاح الستارة قليلًا، ثم تنفس بارتياح.
"ذهب."
سأل توم:
"من كان؟"
أجابه دون أن ينظر إليه:
"ليس من...بل أيُّ نسخة."
غادر توم الكوخ قبل غروب الشمس. كان الثلج يتساقط بخفة، لكن شعورًا ثقيلًا لازمه طوال الطريق.
كلما مر بجانب نافذة أحد البيوت...كان يتجنب النظر إلى الزجاج، تذكر تحذير هنري، وتذكر الرجل الذي
رآه داخل المرآة في القبو.
عند مدخل المنزل القديم...وجد باب السيارة مفتوحًا، فاقترب منها، ولاحظ شيئًا غريبًا. كانت الكاميرا التي تركها
داخل السيارة تعمل وحدها، الشاشة تعرض آخر صورة التُقطت.
رفعها، وكانت صورة له...وهو يسير قبل دقائق بين أشجار المقبرة. لكن زاوية التصوير كانت من خلفه.
وكأن شخصًا كان يراقبه طوال الوقت.
قلب الصورة التالية، وجد صورة أخرى، ثم ثالثة، كلها التُقطت اليوم، من مسافات مختلفة.
وفي كل صورة...كان هناك ظل طويل يقف خلفه. كلما تقدمت الصور...اقترب الظل أكثر.
وفي آخر صورة...كان يقف ملاصقًا له، لكن توم لم يشعر بوجود أحد عندما التُقطت.
دخل المنزل بسرعة، وأغلق الباب، ثم أشعل المدفأة. حاول إقناع نفسه أن كل ما يحدث يمكن تفسيره.
الإجهاد، الخوف، قلة النوم، لكن عقله لم يعد يصدق هذه الأعذار.
قرر أن يغسل وجهه، فدخل الحمام القديم، وفتح صنبور الماء. كان الماء باردًا جدًا.
رفع رأسه نحو المرآة، فرأى انعكاسه، كل شيء طبيعي، فابتسم بسخرية من نفسه.
ثم انحنى ليغسل وجهه..استغرق الأمر ثانيتين فقط. وعندما رفع رأسه مرة أخرى...
ظل انعكاسه منحنياً، أما هو...فقد كان واقفًا..تجمد في مكانه، وراح يحدق في المرآة.
بعد لحظات بطيئة...رفع الانعكاس رأسه، ونظر إليه، ثم ابتسم، ابتسامة لم يرسمها توم.
تراجع إلى الخلف، فاختفت الابتسامة، وعاد كل شيء طبيعيًا، ثم اقترب مرة أخرى، ولم ير شيئًا.
مد يده نحو الزجاج، فانعكست الحركة بشكل صحيح. تنفس الصعداء.
"لقد بدأت أفقد عقلي."
استدار ليغادر..لكن شيئًا جعله يلتفت مرة أخرى، في المرآة...كان انعكاسه لا يزال واقفًا.
بينما هو...كان قد ابتعد عنها بالفعل، فهرب من الحمام، وأغلق الباب بقوة، واستند إلى الحائط وهو يلهث.
وبعد لحظات...سمع صوت طرق خفيف من داخل الحمام، ثم صوته هو، يقول بهدوء:
"ارجع..."
لم يتحرك.
"أنا أنت."
أغلق أذنيه بكلتا يديه..لكن الصوت استمر.
"لقد تركوك هنا."
"وأخذوني."
"أنا الحقيقي."
جلس يرتاح ثم دخل الى المطبخ وصار يطبخ دجاجة كان قد اشتراها في الطريق، صار يقطع البصل
والطماطم واضافهما الية وهو يغلي.
هدئ توم بعد ان تعشى و جلس أمام المدفأة حتى منتصف الليل. كانت النيران تمنحه شعورًا زائفًا بالأمان.
فتح دفتر جيمس توماس، فظهرت صفحة جديدة لم تكن موجودة من قبل، صار قرأها ببطء.
اليوم السادس...لم أعد أعرف أيّنا الحقيقي، المرآة تكذب، والبيت يكذب، لكن أكثر ما أخشاه...
أنني بدأت أصدق النسخة الأخرى.
في أسفل الصفحة...وجد عبارة جديدة، لم تكن مكتوبة بالحبر، بل بدت وكأنها ظهرت تدريجيًا أمام عينيه.
إذا خرج انعكاسك من المرآة...فلا تدعه يلمسك.
في تلك اللحظة...صدر صوت تحطم زجاج من الطابق العلوي. قفز توم من مكانه، والتقط المصباح وصعد
الدرج بسرعة.
كان الصوت قد جاء من الغرفة رقم سبعة..وصل إلى الباب، وكان مفتوحًا، فدخل بحذر.
كانت النافذة سليمة..لا أثر لأي زجاج مكسور، لكن المرآة القديمة في الغرفة...كانت خالية.
لا تعكس شيئًا، لا الجدار، ولا السرير، ولا توم، بدت كأنها نافذة مفتوحة على ظلام لا نهاية له.
وقبل أن يبتعد...خرجت من سطحها يد بشرية ببطء، ثم يد ثانية، ثم رأس.
كان الرجل الذي يخرج منها...يشبه توم تمامًا، لكن بشرته كانت شاحبة، وعيناه سوداوين تمامًا.
ابتسم ابتسامة هادئة، وقال بصوت مطابق لصوته
"أخيرًا... جاء دوري لأخرج."
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.