فتح توم عينيه ببطء..كان مستلقيًا على سرير أبيض داخل غرفة مستشفى. رائحة المطهرات ملأت المكان،
وأشعة الشمس تسللت عبر النافذة.
للحظة...ظن أن كل ما حدث كان حلمًا طويلًا، لكن الألم في جسده كان حقيقيًا، والبرد الذي سكن عظامه لم يفارقه.
دخلت ممرضة تحمل ملفًا طبيًا، فابتسمت عندما رأته مستيقظًا.
قالت بالإنجليزية:
"حمداً لله على سلامتك."
حاول الجلوس.
"أين أنا؟"
"في مستشفى بمدينة سانت بطرسبورغ."
نظر إليها بدهشة.
"من الذي أحضرني؟"
قلبت صفحات الملف.
"وجدتك دورية إنقاذ على طريق ريفي بعد العاصفة..كنت وحدك."
سكت لحظة..ثم سأل:
"وهل... وجدوا شخصًا آخر؟"
هزت رأسها.
"لا."
بعد يومين، سمح له الأطباء بالمغادرة، وعاد إلى شركة تأجير السيارات، فأخبره الموظف أن سيارته وُجدت
متوقفة على جانب الطريق، وكأنها لم تغادره أبدًا.
أما الطريق المؤدي إلى القرية...فلم يكن موجودًا على أي خريطة، وعندما سأل الشرطة المحلية عن القرية
والبيت الخشبي القديم...نظر الضابط إليه باستغراب.
وقال:
"لا توجد أي قرية في تلك المنطقة."
عاد توم إلى بريطانيا. كانت لندن كما تركها، الضجيج، الحافلات، والمقاهي، الوجوه المستعجلة.
كل شيء طبيعي، لكن...لم يعد يشعر بأن العالم طبيعي.
استقبلته والدته بالدموع، وعانقته طويلًا.
قالت:
"كنت قلقة جدًا."
ابتسم بصعوبة. كان يريد أن يسألها سؤالًا واحدًا، لكن خاف من الجواب.
بعد العشاء...فتح ألبوم الصور العائلي، وراح يقلب الصفحات ببطء، صور طفولته، المدرسة.
والجامعة، ثم توقف.
إحدى الصور تغيرت. كان يقف فيها مع والديه أمام منزلهم، لكن...في الطابق العلوي من المنزل...
خلف النافذة...وقف رجل يراقبهم، يرتدي معطفًا أسود طويلًا. لم يكن موجودًا في الصورة من قبل.
في الأيام التالية...حاول العودة إلى عمله، سافر، والتقط الصور، ضحك مع أصدقائه. لكن كل مرة يرفع
فيها الكاميرا...كان يلاحظ شخصًا يقف في الخلفية. دائمًا بعيدًا، دائمًا بالمعطف الأسود نفسه، وحين يلتفت...
لا يجد أحدًا.
وفي إحدى الليالي...عاد إلى منزله بعد يوم عمل طويل، فوجد طردًا صغيرًا أمام الباب، ولم يكن عليه اسم المرسل.
فتح الصندوق، فوجد بداخله...المفتاح الحديدي.
لكن من المفترض أنه تحطم، فرفعه بيد مرتجفة..كان سليمًا، وكأنه لم ينكسر قط، وتحته...رسالة قصيرة.
مكتوبة بالإنجليزية، بخط قديم.
قرأها:
"البوابات لا تُغلق...بل تنتظر الزائر التالي."
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
في تلك الليلة...لم يستطع النوم، ووضع المفتاح داخل درج مكتبه، وأغلقه.
ثم جلس يراقب المطر خلف النافذة، وعند منتصف الليل...سمع صوتًا معدنيًا خافتًا.
فتح الدرج..كان فارغًا..اختفى المفتاح.
تردد صوت خطوات في الطابق العلوي، خطوة...ثم أخرى...ابتسم توم بمرارة.
كان يعرف هذا الصوت. لقد سمعه في الليلة الأولى داخل المنزل القديم.
صعد الدرج ببطء، وفتح باب غرفة نومه، ولم يكن هناك أحد، لكن النافذة كانت مفتوحة.
والستائر تتحرك مع الهواء، فاقترب ليغلقها، وقبل أن يصل إليها...رأى شيئًا في الشارع المقابل.
تجمد في مكانه..هناك...في نهاية الطريق...وقف منزل خشبي قديم، ثلاثة طوابق، سقف مائل.
ونافذة مضاءة بضوء أصفر خافت..هو نفسه، المنزل الروسي، لكن هذا مستحيل، فهو الآن في لندن.
ابتلع ريقه، وبينما كان يحدق فيه...انفتح باب المنزل ببطء، وخرج منه رجل. كان يقف بعيدًا.
لكن ملامحه كانت واضحة، إنه هنري، كما رآه أول مرة، فابتسم ابتسامة هادئة، ورفع يده مودعًا.
ثم استدار...ودخل المنزل، وأغلق الباب، وفي اللحظة نفسها...اختفى المنزل كله، وكأنه لم يكن موجودًا.
ظل توم واقفًا أمام النافذة، لا يعرف إن كان ما رآه حقيقيًا، أم مجرد أثر من الكابوس، واستدار ليعود إلى سريره.
لكن...تجمد مكانه..كانت مرآة الغرفة تعكسه، شيء طبيعي، إلا أن انعكاسه...لم يستدر معه، بل ظل ينظر إلى النافذة.
ثم رفع رأسه ببطء، ونظر مباشرة إلى توم، وابتسم، وقال بصوت لم يخرج من أي فم
"لقد انتهت رحلتك..."
توقف لحظة..ثم اتسعت الابتسامة أكثر.
"..لكن رحلتي أنا بدأت الآن."
وانطفأت أنوار الغرفة كلها، في اللحظة نفسها.
تمت.