Qaed

Share to Social Media

ظل توم واقفًا في أعلى برج الكنيسة.
لم يستطع أن يشيح ببصره عن العين الهائلة التي فتحت وسط الظلام. كانت أكبر من أي شيء رآه في حياته.
ولم تكن تشبه عين إنسان...ولا عين حيوان، بل بدت كشق مضيء في جسد من الظلام الخالص.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بها...اختفى كل شيء، اختفى البرج، واختفت المدينة، حتى صوت الريح اختفى.
وجد نفسه واقفًا في فراغ أبيض لا نهاية له، لا سماء، ولا أرض، ولا جدران. مجرد ضوء باهت يمتد في كل اتجاه.
سمع صوت خطوات خلفه، فاستدار. كان الرجل الذي رآه داخل المرآة العملاقة، الرجل ذو الملابس القديمة.
اقترب ببطء، ولأول مرة...لم يكن وجهه يشبه توم، بل كان يتغير مع كل خطوة، مرة يبدو شابًا، ثم عجوزًا.
ثم امرأة، ثم طفلًا، ثم يعود إلى هيئة الرجل الأول.
قال بصوت هادئ:
"كل وجه أرتديه...هو وجه سرقته."
سأل توم بصعوبة:
"من أنت؟"
ابتسم الرجل.
"لقد نسيت اسمي منذ زمن طويل."
"هل أنت حارس المرايا؟"
هز رأسه.
"هذا الاسم أعطاه لي البشر، أما حقيقتي...فلا توجد لغة تستطيع نطقها."
بدأ الفراغ الأبيض يتحول إلى صور، فرأى مدينة مزدهرة وسط الغابات، الناس يضحكون.
الأطفال يركضون، ثم رأى شتاءً قاسيًا، مجاعة، مرضًا، وخوفًا.
قال الكيان:
"قبل قرنين من الزمان...خاف هؤلاء الناس من الموت.. وظهرت مجموعة من الرجال وهم ينزلون إلى الكهف.
يحملون مرايا ضخمة صنعت من معدن أسود غريب، كانوا يبحثون عن الخلود، فوجدوني."
تبدلت الصور، وظهر رجال القرية وهم يقفون أمام المرآة العملاقة. كان كل واحد منهم يرى نسخة أصغر سنًا
من نفسه، أقوى، وأكثر صحة.
قال الكيان:
"عرضت عليهم شيئًا واحدًا، أن أمنحهم حياة أخرى، لكن...لكل حياة ثمن."
بدأ الرجال يدخلون إلى المرآة، وفي المقابل...خرج أشخاص يشبهونهم تمامًا. كانوا يحملون الذكريات نفسها.
والأصوات نفسها، لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا، لم تكن لديهم أرواح البشر، بل كانوا جزءًا من الكيان.
قال:
"هكذا بدأ التبديل."
اختفت الصور..عاد الفراغ، فنظر الكيان إلى توم.
"كل جيل...أحتاج إلى وجوه جديدة، لأن الوجوه القديمة تتآكل."
ارتجف توم.
"لهذا تستدرج المسافرين."
"ليس كل المسافرين."
اقترب الكيان حتى أصبح على بعد خطوة.
"فقط الذين يحملون الصدى."
"أي صدى؟"
رفع الكيان يده، ولمس جبهة توم، وانفجرت الذكريات داخل رأسه..رأى رجلاً بريطانيًا عاش قبل
أكثر من مئتي عام، كان رسامًا رحالة، وصل إلى هذه القرية مصادفة، وكان أول غريب دخل المرآة.
ومنذ ذلك اليوم...أصبح دمه ينتقل عبر الأجيال، وكل حفيد يحمل ملامحه...يستطيع الكيان استخدامه.
لهذا كانت الصور القديمة تشبه توم، ولهذا كانت النسخة تعرف كل شيء عنه، ولذلك أيضًا...كان اسمه محفورًا
على الجدران قبل وصوله.
استعاد وعيه وهو يلهث، ونظر إلى الكيان.
"إذن...أنا لم أُختَر صدفة."
ابتسم الكيان.
"أنت آخر السلالة."
عاد العالم فجأة، ووجد نفسه مرة أخرى داخل برج الكنيسة، وكانت المدينة تهتز بعنف، الجليد يتشقق في كل مكان.
وسكان المدينة يصعدون من الشوارع كأنهم يستيقظون من نوم طويل، لكنهم لم يعودوا يشبهون البشر.
كانت وجوههم تذوب ببطء، وتحتها...تظهر وجوه أخرى، ثم أخرى، مئات الوجوه فوق الوجه الواحد.
دوى صوت تحطم هائل، انهار جزء من البرج، فقفز توم إلى الدرج، وركض نحو الأسفل، وخرج إلى الساحة.
كانت النسخة الأخرى تنتظره..تقف أمام المرآة العملاقة التي ارتفعت الآن من قلب المدينة.
ابتسمت.
"الآن فهمت."
أجابها توم:
"لن أسمح لك بأخذ حياتي."
ضحكت النسخة.
"لقد أخذتها بالفعل."
ثم أخرجت من جيبها هاتفًا محمولًا، وضغط زر التشغيل، وأرت توم الشاشة.
ظهرت رسالة إخبارية بريطانية.
"المصور البريطاني توم ويلسون يعود بعد رحلة ناجحة إلى روسيا."
ثم ظهر مقطع فيديو.كان توم...أو بالأحرى النسخة...يجري مقابلة مع الصحفيين في مطار لندن.
يضحك، ويتحدث عن رحلته، بل إن والدته كانت تعانقه أمام الكاميرات.
شعر توم بأن العالم يدور حوله.
همس:
"هذا... مستحيل."
أجابت النسخة بهدوء:
"بالنسبة للعالم...أنت الذي اختفيت."
مدت النسخة يدها نحوه، وقالت:
"انتهى دورك."
لكن قبل أن يلمسها...دوى صوت انفجار عنيف، وتشققت المرآة العملاقة من أعلاها إلى أسفلها.
خرج منها ضوء أسود كثيف، واهتزت المدينة كلها، وتردد صوت الكيان في كل مكان
"لقد كسر أحدهم الختم..."
ثم بدأت آلاف المرايا الصغيرة، المنتشرة في شوارع المدينة وداخل البيوت، تتحطم في اللحظة نفسها.
ومع كل مرآة تتحطم...كانت نسخة جديدة من توم تخرج منها، واحدة...ثم اثنتان...ثم عشرات...ثم مئات.
وخلال ثوانٍ...أصبح توم محاطًا بمئات النسخ المطابقة له، وكل نسخة التفتت نحوه في الوقت نفسه...
وقالت بصوت واحد
"أيّنا ستقتل أولًا؟"
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.