ابتسمت النسخة الأخرى ابتسامة باردة، ثم خطت خطوة واحدة إلى الأمام.
قالت بصوت هادئ:
"أعطنا ما يخصنا...وسوف تنتهي معاناتك."
أمسك توم بيد هنري، وهمس:
"لن أبقى هنا."
أجاب هنري بسرعة:
"لا تركض نحو الممر الرئيسي."
"لماذا؟"
"لأنهم يريدونك أن تفعل ذلك."
لكن الوقت انتهى. تحرك سكان القرية جميعًا في اللحظة نفسها، لم يركضوا، ولم يصرخوا.
بل ساروا بخطوات بطيئة ومتناسقة، كأن قوة واحدة تحركهم، ومع كل خطوة...كانت القاعة تهتز.
صرخ هنري:
"الآن!"
اندفع الاثنان نحو ممر جانبي ضيق. كان الممر يهبط أكثر في أعماق الأرض..خلفهما...
سمعا صوت النسخة الأخرى.
"يمكنك الهرب من المكان...لكن ليس من نفسك."
ثم دوى صوت يشبه تحطم آلاف المرايا..أخذ الممر يضيق شيئًا فشيئًا.
كانت الجدران الحجرية مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد، وكل بضع خطوات...كان توم يرى انعكاس وجهه
داخل الجليد. لكن كل انعكاس كان مختلفًا، مرة طفلًا، ومرة رجلًا عجوزًا، ومرة شخصًا مجهولًا لا يعرفه.
قال وهو يلهث:
"هل ترى ما أراه؟"
أجاب هنري دون أن يلتفت:
"لا تنظر إليها."
لكن توم لم يستطع. كانت الانعكاسات تراقبه، وتبتسم.
وصل الاثنان إلى باب حديدي ضخم..كان نصف مفتوح، فاندفعا عبره، وفي اللحظة نفسها...
انهار السقف خلفهما، وتساقطت الصخور والجليد.
أغلق الانهيار الممر بالكامل..وقف توم يلتقط أنفاسه.
قال:
"لقد نجينا."
لكن هنري لم يبتسم، بل أضاء مصباحه إلى الأمام، وقال بصوت خافت:
"انظر..."
رفع توم رأسه، وتجمد..لم يكن أمامهما نفق، بل مدينة كاملة..مدينة تحت الأرض، شوارع حجرية.
منازل قديمة، جسور، وأبراج كنائس. كلها مدفونة تحت طبقات هائلة من الجليد الشفاف.
بدت المدينة وكأن الزمن توقف فيها في لحظة واحدة.
همس توم:
"يا إلهي..."
قال هنري:
"هذه هي القرية الحقيقية."
"إذن... ماذا في الأعلى؟"
تنهد الرجل.
"نسخة."
نزلا درجات حجرية تقود إلى المدينة. كل شيء كان محفوظًا كما هو، عربة مقلوبة، نافورة متجمدة.
مصابيح قديمة، حتى آثار أقدام بشرية بقيت مطبوعة تحت الجليد، وكأن السكان اختفوا في لحظة واحدة.
دخل توم أحد المنازل، فوجد المائدة معدة للطعام، والصحون في أماكنها. لكن الطعام تحول إلى حجر.
رفع صورة معلقة على الحائط..كانت لعائلة روسية، لكن الأب...كان يحمل وجهه.
أسقط الصورة من يده.
"مستحيل..."
أكمل السير، وفي ساحة المدينة...وقف تمثال ضخم لرجل يرتدي معطفًا طويلًا. كان وجه التمثال متآكلًا.
لكن ملامحه...تشبه وجه الرجل الذي ظهر داخل المرآة العملاقة.
قال هنري:
"كل شيء بدأ منه."
"من هو؟"
"لا أحد يعرف اسمه الحقيقي."
"لكن الناس كانوا يسمونه...حارس المرايا."
قبل أن يسأل توم المزيد...سمعا صوتًا بعيدًا، كأنه صفير رياح، لكن الصفير تحول إلى همسات.
ثم إلى مئات الأصوات، ثم آلافها. كانت تأتي من تحت الجليد.
اقترب توم بحذر، وسلط ضوء المصباح على الأرض، ورأى...وجوهًا. عشرات الوجوه البشرية محبوسة
داخل الجليد، أعينها مفتوحة، وشفاهها تتحرك ببطء، وكأنها تحاول الكلام.
ابتعد مذعورًا..لكن الأصوات أصبحت أوضح، كلها كانت تردد الجملة نفسها:
"لا تدعهم يبدلونك...لا تدعهم يبدلونك..."
فجأة...اهتزت المدينة كلها، وتشققت طبقات الجليد في الساحة.
سمع الاثنان صوت انفجار مكتوم، ثم بدأت الأبنية القديمة تتصدع.
صرخ هنري:
"لقد وجدنا!"
انطلقت صفارة طويلة في أنحاء المدينة، واشتعلت عشرات المصابيح القديمة وحدها.
ثم...بدأت الأبواب تُفتح، باب...ثم آخر...ثم عشرات الأبواب، وخرج منها رجال ونساء بملابس قديمة.
وجوههم شاحبة، وأعينهم سوداء بالكامل.
ساروا جميعًا نحو الساحة، ونحو توم.
ركض الاثنان بين الأزقة، فكان الجليد يتكسر تحت أقدامهما، وفجأة...انزلقت قدم هنري.
سقط داخل حفرة جليدية، فأمسك توم بيده، وحاول سحبه، لكن هنري صرخ
"اتركني!"
"لن أتركك!"
نظر إليه الرجل العجوز بابتسامة هادئة..لأول مرة منذ التقيا، وقال:
"لقد كنت مكانك يومًا...والآن جاء دورك."
ثم دفع يد توم بعيدًا، وفي اللحظة التالية...انهارت الأرض، وابتلع الجليد هنري بالكامل.
واختفى، دون أن يترك أثرًا.
وقف توم وحده، كان المطاردون يقتربون من كل الجهات، فنظر حوله بجنون، حتى لمح برج كنيسة
مرتفعًا في وسط المدينة.
ركض نحوه بكل ما بقي لديه من قوة، ثم دخل البرج، وأغلق الباب خلفه، ثم صعد الدرج الحجري الدائري.
درجة...ثم أخرى...حتى وصل إلى أعلى البرج.
كان يتنفس بصعوبة، ثم نظر من النافذة، فرأى المدينة كلها أسفله، والمطاردين يملؤون الشوارع.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهه. خارج حدود المدينة...بعيدًا خلف الجليد...كان هناك ظل هائل يتحرك ببطء.
في البداية ظنه جبلًا، ثم تحرك مرة أخرى.
فتح عينيه بدهشة..لم يكن جبلًا، كان مخلوقًا، جسدًا أسود عملاقًا يحيط بالمدينة بأكملها، وكأن المدينة...
ليست سوى شيء صغير...داخل قبضة كائن حي، وفي تلك اللحظة...فتح ذلك الكيان عينًا واحدة.
كانت بحجم برج الكنيسة، واتجهت مباشرة نحو توم.
ثم سمع صوتًا عميقًا، لم يأتِ من الهواء، بل من داخل رأسه:
"وجدتك."