ظل الهاتف ملتصقًا بأذن توم، لكن الصوت في الطرف الآخر لم يعد يتكلم.
كان يسمع فقط...أنفاسه، أنفاسه هو، ثم انقطع الاتصال، ونظر إلى الشاشة، لقد اختفت الشبكة مرة أخرى.
همس لنفسه:
"إذا كانت النسخة قد عادت إلى حياتي...فمن أكون أنا؟"
لم يجبه أحد، لكن هنري أمسك بذراعه بقوة.
"لم يعد لدينا وقت."
"إلى أين؟"
"إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء."
قاد هنري توم عبر الغابة. كان يسلك طريقًا ضيقًا لا يظهر إلا إذا اقترب الإنسان منه.
كلما تقدما، أصبحت الأشجار أكثر كثافة، والضباب أكثر سماكة، وبعد نحو ساعة...
وصلا إلى تل صخري صغير. كان في قمته...بقايا كنيسة حجرية مهدمة.
قال هنري:
"هذه أقدم من القرية نفسها."
دخلا من بابها المنهار.. كان لم يبق من الكنيسة سوى الجدران، لكن في منتصف الأرضية...
وجد توم دائرة حجرية منقوشة برموز غريبة، وفي وسطها...غطاء حجري دائري، يشبه بابًا.
أخرج هنري المفتاح الذي يحمله، وأشار إلى مفتاح توم.
"لن يفتح إلا بالمفتاحين."
نظر إليه توم.
"من صنع هذا؟"
أجاب هنري:
"أناس كانوا يعرفون ما يسكن تحت الأرض."
أدار الرجلان المفتاحين في الوقت نفسه، فصدر صوت احتكاك عميق، واهتزت الأرض.
تحرك الغطاء الحجري ببطء، وانكشف سلم دائري يهبط إلى الأسفل.
صعد هواء بارد...أبرد من هواء الشتاء، وكان يحمل رائحة غريبة. ليست رائحة موت، ولا رائحة عفن.
بل رائحة مكان لم يدخله ضوء الشمس منذ قرون.
أضاء توم مصباحه، وبدآ النزول. كان السلم طويلًا، حتى شعر أنهما هبطا عشرات الأمتار.
وفي النهاية...وصلا إلى ممر حجري واسع، الجدران مغطاة برسوم قديمة، فتوقف توم أمام أول رسم.
كان يصور رجالًا يقفون أمام مرآة ضخمة، ومن داخل المرآة...تخرج أشخاص يشبهونهم تمامًا.
انتقل إلى الرسم التالي، الرجال أنفسهم...لكن النسخ الجديدة أصبحت تعيش بينهم، أما الأصل...
فكان يُسحب إلى داخل المرآة.
ابتلع ريقه.
"هذه ليست أسطورة..."
همس هنري:
"بل تحذير."
واصلا السير، وصل الممر إلى قاعة هائلة، فرفع توم ضوء المصباح، وتجمد مكانه.
كانت القاعة مليئة بالتماثيل الحجرية، مئات التماثيل، رجال، نساء، وأطفال.
كل تمثال يبدو واقعيًا بصورة مخيفة، فاقترب من أحدها. كان لرجل يرتدي ملابس بريطانية قديمة.
تحته لوحة صغيرة، كتب عليها، جيمس توماس. شعر توم بأن الدم تجمد في عروقه، لم يمت جيمس.
بل...تحول إلى تمثال.
اقترب من تمثال آخر، ثم آخر، ووجد أسماء كثيرة رآها من قبل على جدار القبو. كل المفقودين...هنا.
قال هنري بصوت حزين:
"هؤلاء هم الذين رفضوا التبديل."
"وماذا حدث للذين قبلوه؟"
لم يجب..بل واصل السير.
في نهاية القاعة...وجد بابًا برونزيًا ضخمًا، كانت عليه الكتابة نفسها التي رآها خلف الصورة في المنزل
عدت أخيرًا.
دفع الباب، فانفتح ببطء، ودخل الاثنان. كانت الغرفة مستديرة، وفي وسطها...مرآة عملاقة، ارتفاعها أكثر
من خمسة أمتار. لكن سطحها لم يكن يعكس شيئًا، كان أسود تمامًا، كأنه سماء بلا نجوم.
وقف توم أمامها، وشعر بصداع عنيف، ثم بدأت صور تظهر على سطحها، ورأى نفسه طفلًا.
ثم شابًا، ثم في روسيا، ثم...اختفت كل الصور، وحل محلها رجل يرتدي ملابس تعود إلى القرن الثامن عشر.
كان يحمل الوجه نفسه، وجه توم.
قال الرجل من داخل المرآة
"تأخرت كثيرًا."
تراجع توم مذعورًا، لكن هنري لم يبدُ متفاجئًا.
قال:
"اسمه لم يعد معروفًا..كان أول من دخل هذا المكان، ومنذ ذلك اليوم...صار يبحث عن وجهه في الآخرين."
نظر توم إلى الرجل داخل المرآة. كان يبتسم بهدوء، ثم مد يده نحو سطحها، فخرجت أصابع طويلة من الظلام.
وكأن المرآة تحولت إلى ماء أسود.
اهتزت الأرض فجأة، وسُمع صوت انفجار بعيد، فالتفت هنري نحو الممر، وتغير وجهه.
"لقد وصل."
"من؟"
لكن توم عرف الجواب قبل أن يسمعه.
في آخر الممر...ظهر شخص يحمل مصباحًا. كان يسير ببطء، وحين اقترب الضوء...ظهر وجهه.
إنه توم، النسخة الأخرى، ولكن هذه المرة...لم يكن وحده.
خلفه...كان يقف جميع سكان القرية، يصطفون في صمت، وكل واحد منهم...يحمل وجه شخص مختلف.
وكأن الوجوه التي يعيشون بها...ليست وجوههم الحقيقية.
ابتسمت النسخة الأخرى.
وقالت:
"لقد انتهى وقت الاختباء."
ثم نظرت إلى توم الحقيقي، وأضافت:
"اختر...إما أن تعود إلى المرآة بإرادتك...أو سأجعل العالم كله ينساك.".