Qaed

Share to Social Media

لم يكد البرق يختفي حتى اختفى الوجه معه.
ظل توم يحدق في النافذة عدة ثوانٍ، محاولًا إقناع نفسه بأنه رأى مجرد انعكاس.
اقترب بحذر، لم يكن هناك أحد، وفتح الباب الرئيسي قليلًا، فاندفعت الرياح الباردة إلى الداخل،
حاملة معها الثلج.
نظر إلى الأرض، لا توجد آثار أقدام، رغم أن الرجل كان يقف قبل لحظات على بعد أقل من مترين من النافذة.
أغلق الباب بسرعة، وأدار المفتاح مرتين.
قال بصوت منخفض:
"سأنام... وعندما أستيقظ سأغادر."
لكن النوم لم يأتِ، وظل جالسًا أمام المدفأة واخرج من حقيبتة خبز ومعلبات لحم وابتدى يأكل ويشرب والكولا
حتى بدأ ضوء الفجر يتسلل عبر النوافذ. كانت العاصفة قد هدأت، واختفت أصوات الخطوات.
بدت الليلة كلها وكأنها حلم طويل، ثم اعد كوبًا من القهوة سريعة التحضير وشربها، بعدها حمل حقيبته والكاميرا
والدفتر الذي وجده في الغرفة رقم سبعة.
قرر أن يشكر صاحب المنزل إن وجده، ثم يغادر القرية، لكنه عندما فتح باب المنزل...توقف.
كان جميع سكان القرية يقفون في الطريق، رجالًا ونساءً، شيوخًا، حتى الأطفال.
أكثر من ثلاثين شخصًا، يصطفون في هدوء، وينظرون إليه، دون أن ينطق أحد بكلمة.
ارتبك توم، ورفع يده مبتسمًا.
"صباح الخير."
لم يرد أحد..بعد لحظات...بدأ الجميع يعودون إلى أعمالهم، وكأن شيئًا لم يحدث، فشعر بقشعريرة تسري في جسده.
اتجه نحو الساحة الصغيرة التي مر بها مساء أمس. كانت القرية تبدو مختلفة في ضوء النهار، البيوت خشبية قديمة.
الدخان يتصاعد من المداخن، لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا..لم ير أي أسلاك كهرباء، ولا أعمدة إنارة، ولا متجرًا.
ولا مكتب بريد، ولا محطة وقود. كأن الزمن توقف هنا منذ عشرات السنين.
دخل مبنى صغيرًا يشبه المقهى، وكانت المدفأة مشتعلة، بداخله امرأة مسنة تقدم الشاي، وابتسمت له.
كانت أول شخص يبتسم منذ وصوله.
قالت بإنجليزية مكسرة:
"نمْت جيدًا؟"
تردد قليلًا.
"ليس كثيرًا."
وضعت كوب الشاي أمامه.
ثم قالت بهدوء:
"لا أحد ينام جيدًا في الليلة الأولى."
رفع رأسه بسرعة.
"ماذا تقصدين؟"
لكنها غيرت الموضوع، وسألته عن بلده، ثم عن عمله، وكأنها لم تقل شيئًا.
أخرج توم جواز السفر الذي وجده.
سألها:
"هل تعرفين هذا الرجل؟"
نظرت إلى الصورة، وللحظة...اختفت الابتسامة من وجهها، وأغلقت الجواز بسرعة، ودفعته نحوه.
ثم همست:
"لا تذكر اسمه هنا."
"لماذا؟"
لم تجب، بل أشارت بعينيها إلى بقية الجالسين، فلاحظ أنهم جميعًا توقفوا عن الحديث، وينظرون إليه.
غادر المقهى بسرعة، وفي الخارج لمح كنيسة خشبية قديمة عند طرف القرية، فاتجه نحوها.
كان بابها نصف مفتوح، فدخل، كانت رائحة البخور القديم تملأ المكان، والمقاعد مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار.
لكن الشيء الأكثر غرابة...أن جميع الأيقونات الدينية كانت مقلوبة نحو الجدار، وكأن أحدًا أخفاها عمدًا.
سمع صوتًا خلفه.
"لا تقف طويلًا هنا."
التفت، فرأى قسًا عجوزًا يرتدي ثيابًا سوداء باهتة. كان طويل القامة، نحيلًا، وعيناه حمراوان من السهر.
قال الرجل بالإنجليزية بطلاقة:
"أنت الإنجليزي الجديد."
أومأ توم.
"نعم."
تقدم القس نحوه، ثم سأله مباشرة:
"هل نمت في البيت القديم؟"
"نعم."
أغمض الرجل عينيه للحظة..ثم رسم إشارة الصليب على صدره.
"إذن لم يعد لديك وقت كثير."
تجمد توم.
"ماذا تعني؟"
تنهد القس.
"ذلك البيت...لا يختار الناس صدفة."
جلس الاثنان داخل الكنيسة، وبدأ القس يتحدث بصوت منخفض.
"منذ سنوات طويلة...يضيع بعض المسافرين أثناء العواصف، ويصلون إلى هذه القرية."
"ويسكنون في ذلك المنزل، ثم..."
سكت.
سأله توم:
"ثم ماذا؟"
أجاب:
"لا يغادرون."
ابتسم توم بتوتر.
"أنا سأغادر اليوم."
نظر إليه القس نظرة طويلة..ثم قال:
"كلهم قالوا ذلك."
أخرج توم جواز جيمس توماس، وأراه للقس.
تغير لون وجه الرجل، فهمس:
"إذن وجدته".
"هل تعرفه؟"
أجاب بعد صمت:
"كان آخر بريطاني وصل قبل أن تأتي."
ارتبك توم.
"تقصد قبل سنوات؟"
رفع القس رأسه ببطء.
وقال:
"قبل خمسة وثلاثين عامًا."
"ولم يغادر أبدًا."
شكره توم وغادر الكنيسة.
قرر ألا يضيع دقيقة أخرى، سوف يتجه مباشرة إلى سيارته، ثم يعود إلى سانت بطرسبورغ.
لكن عندما وصل إلى المكان الذي أوقف فيه السيارة...توقف، وكان المكان فارغًا، اختفت السيارة تمامًا.
لم تكن هناك عجلات، ولا آثار سحب، ولا حتى آثار إطارات على الثلج.
كأن السيارة...لم تصل إلى القرية أصلًا.
بدأ قلبه يخفق بعنف، وأخذ يجري بين البيوت، ويسأل السكان.
"هل رأيتم سيارتي؟"
كانوا ينظرون إليه، ثم يديرون وجوههم بصمت، ولم يجب أحد.
وبينما كان يلهث في وسط الساحة...سمع صوت محرك سيارة، فاستدار بسرعة، ورأى سيارته.
كانت تسير ببطء في الشارع المقابل، لكن...لم يكن أحد يقودها، وتوقفت السيارة وحدها أمام البيت القديم.
ثم انطفأ محركها.
وتحت تأثير الرياح الخفيفة...انفتح باب السائق ببطء، وكأن شخصًا غير مرئي...يدعوه للعودة.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.