خرج الرجل من سطح المرآة ببطء، كما لو أنه يخرج من ماء ساكن.
لم يتحطم الزجاج، ولم يصدر أي صوت.
كانت خطواته هادئة فوق أرضية الغرفة، ووقف أمام توم. يفصل بينهما أقل من مترين.
كان كل شيء فيه مطابقًا، الطول، لون الشعر، الملابس، الندبة الصغيرة أسفل الذقن.
حتى ساعة اليد التي اشتراها توم قبل سنوات كانت في معصمه، لكن شيئًا واحدًا اختلف.
عيناه...كانتا خاليتين من أي خوف.
ابتسم الرجل وقال:
"أخيرًا التقينا."
لم يستطع توم الكلام..ظل ينظر إلى وجهه وكأنه يرى صورته في مرآة حية.
قال بصوت مرتجف:
"من... أنت؟"
ابتسم الآخر.
"سؤال خاطئ."
ثم أضاف بهدوء:
"السؤال الصحيح هو..."
"أيّنا توم؟"
تراجع توم خطوة، أما الرجل الآخر فلم يتحرك.
قال:
"لا تقلق."
"لن أؤذيك."
ثم نظر حول الغرفة كأنه يراها للمرة الأولى منذ زمن طويل، وأخذ نفسًا عميقًا.
"نسيت رائحة الهواء."
رفع توم المصباح في وجهه.
"إذا كنت تريد خداعي فلن تنجح."
ضحك الرجل.
"كنت سأقول الجملة نفسها."
ثم قال:
"اسم والدتك مارغريت، ووالدك كان يعمل ميكانيكيًا، وفي عيد ميلادك الثاني عشر...كسرت ذراعك
بعد أن سقطت من شجرة بلوط."
تجمد توم..كانت تفاصيل لا يعرفها أحد تقريبًا.
قال بصعوبة:
"كيف تعرف ذلك؟"
ابتسم الآخر.
"لأنني عشتها."
وقبل أن يستطيع توم الرد...سمعا صوت خطوات سريعة في الممر.
نظر الرجل نحو الباب، وقال بسرعة:
"لقد جاء."
"من؟"
لكن الرجل لم يجب، فقفز إلى داخل المرآة مرة أخرى، واختفى كما خرج.
وفي اللحظة التالية...دخل هنري الغرفة وهو يلهث، ونظر إلى توم، ثم إلى المرآة، وشحب وجهه.
"هل خرج؟"
أومأ توم ببطء، فاقترب هنري من المرآة، ولمس إطارها المرتجف.
ثم همس:
"إذن بدأ التبديل."
أمسك هنري بذراع توم.
"يجب أن نغادر الآن."
نزلا درجات المنزل بسرعة، لكن عندما وصلا إلى الباب...كان مفتوحًا، وفي الخارج...وقف جميع سكان القرية.
مرة أخرى، لكن هذه المرة...لم يكونوا صامتين، بل كانوا يبتسمون، ابتسامة واحدة متطابقة، وكأنها رُسمت
على وجوههم.
قالت امرأة عجوز:
"لقد عاد."
ثم كرر الجميع بصوت واحد:
"لقد عاد."
نظر توم خلفه، فظن أنهم يقصدون شخصًا آخر، لكن الجميع كانوا ينظرون إليه.
ركض مع هنري نحو الغابة. كان الثلج يزداد كثافة، والضباب يبتلع الأشجار.
بعد دقائق...توقف هنري فجأة، وأشار إلى الأرض، تحت طبقة رقيقة من الثلج...ظهرت شاهدة قبر حجرية.
انحنى توم وأزال الثلج عنها، وقرأ الاسم، توم ويلسون.
شعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، فنظر إلى التاريخ..تاريخ الميلاد صحيح، لكن تاريخ الوفاة...
كان قبل ثلاثين عامًا.
ابتسم بمرارة.
"هذه مزحة."
أخرج هاتفه، والتقط صورة للقبر، لكن عندما نظر إلى الشاشة...لم تظهر شاهدة القبر. بل ظهرت صورة قديمة
بالأبيض والأسود، يقف فيها رجل يشبهه تمامًا...يرتدي ملابس من القرن التاسع عشر.
قال هنري بصوت خافت:
"لقد كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي."
نظر إليه توم بغضب.
"اشرح لي!"
تنهد هنري.
"كل عدة عقود...يختار البيت شخصًا، ليس لأنه غريب، بل لأنه يشبه شخصًا عاش هنا منذ زمن بعيد."
"ثم يبدأ بدمج الذكريات، في النهاية...لا يعود أحد يعرف من الأصل...ومن النسخة."
تراجع توم، وشعر بأن ذكرياته نفسها أصبحت غير مستقرة. حاول أن يتذكر آخر عيد ميلاد له.
تذكره، لكن فجأة...ظهرت في ذهنه صورة أخرى..لم يكن في بريطانيا، بل كان يقف أمام هذا المنزل...
مرتديًا ملابس قديمة...والثلج يتساقط حوله.
هز رأسه بعنف.
"هذه ليست ذكرياتي."
لكن الصورة لم تختف، بل أصبحت أوضح، حتى إنه استطاع أن يتذكر رائحة الخشب المحترق داخل المنزل.
رائحة لم يكن قد شمها إلا منذ يومين، أو...منذ مئتي عام؟
في تلك اللحظة...صدر صوت محرك سيارة، فاستدار الاثنان. كانت سيارة توم تقف عند حافة الغابة.
جلس خلف المقود...توم، نسخته الأخرى، ثم ابتسم من خلف الزجاج، ولوّح له بيده، ثم أدار السيارة ببطء...
واتجه نحو القرية.
قال هنري وهو يراقبها ترحل:
"إذا دخل مكانك بين الناس...فلن يلاحظ أحد الفرق."
سأل توم بصوت مرتجف:
"وماذا سيحدث لي؟"
نظر إليه هنري طويلًا..ثم أجاب:
"ستصبح أنت...الذكرى التي ينساها الجميع."
وفي اللحظة نفسها...رن هاتف توم لأول مرة منذ وصوله إلى القرية، وظهرت على الشاشة إشارة شبكة كاملة.
ورقم المتصل...هو رقم هاتفه الشخصي.
ارتجفت يده وهو يجيب، وجاءه صوته من الطرف الآخر، هادئًا...وواثقًا...يقول
"لا تقلق... لقد عدت إلى حياتنا بدلًا منك."