فتح توم عينيه ببطء. كان مستلقيًا على أرضية القبو الحجرية.
أضاء هاتفه تلقائيًا، رغم أنه كان قد انطفأ قبل لحظات. نهض وهو يتنفس بصعوبة.
نظر نحو المرآة، لم يكن عليها سوى انعكاسه الطبيعي، لقد اختفى الرجل الغريب، واختفى القماش الأسود.
وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الكلمات التي سمعها ما زالت تتردد في رأسه:
"لا تدعه يعرف أنك رأيتني."
من هو؟ ومن المقصود بـ"هو"؟
صعد السلم بسرعة..كان يريد مغادرة المنزل نهائيًا، لكن عندما وصل إلى الصالة...وجد المدفأة مشتعلة.
والطاولة مرتبة، وكوبًا من الشاي الساخن يتصاعد منه البخار.
توقف في مكانه، لم يكن الكوب موجودًا قبل نزوله إلى القبو، فاقترب بحذر.
وإلى جانب الكوب...وجد مفتاحًا حديديًا صغيرًا، وتحت المفتاح ورقة مطوية، ففتحها.
كانت مكتوبة بخط جميل باللغة الإنجليزية:
"إذا أردت أن تعرف الحقيقة...فاذهب إلى المقبرة القديمة قبل غروب الشمس. تعال وحدك."
لم يكن هناك توقيع.
قضى بقية النهار يفكر، هل هي فخ؟ أم أن أحدًا يحاول مساعدته؟ في النهاية، انتصر فضوله.
حمل المفتاح، ووضع الكاميرا في حقيبته، وغادر المنزل.
كانت المقبرة تقع خلف الكنيسة، عند حافة الغابة، بوابتها الحديدية صدئة، والثلج يغطي معظم شواهد القبور.
سار بين الصفوف ببطء..لاحظ أن كثيرًا من الأسماء ليست روسية، بل بريطانية، وألمانية، وفرنسية، وسويدية.
جميعهم غرباء، وجميع تواريخ وفاتهم كانت في الشتاء.
وصل إلى آخر المقبرة. كان هناك قبر بلا اسم، وخلفه كوخ صغير من الحجارة..بدا مهجورًا.
طرق الباب..لم يرد أحد، لكن الباب انفتح وحده، فدخل بحذر. كانت الغرفة مظلمة، تفوح منها رائحة
الأعشاب المجففة، وفجأة...انبعث صوت خافت من الداخل.
"أغلِق الباب."
تجمّد توم..كان الصوت ضعيفًا، لكنه واضح، وأغلق الباب، ثم رأى صاحب الصوت.
جلس رجل مسن أمام موقد صغير. كانت لحيته البيضاء تصل إلى صدره، ووجهه مليئًا بندوب قديمة.
لكن أكثر ما أثار دهشة توم...أن الرجل كان يتحدث الإنجليزية بلكنة بريطانية خالصة.
ابتسم العجوز ابتسامة باهتة، وقال "تأخرت كثيرًا يا توم."
جلس أمامه، فسأله مباشرة:
"من أنت؟"
أجاب الرجل بعد لحظة صمت:
"اسمي... هنري."
"ومن أين أنت؟"
"من مدينة ليفربول."
حدق توم فيه بدهشة.
"بريطاني؟"
أومأ الرجل.
"كنت سائحًا مثلك."
سقطت الكلمات على توم كالصاعقة.
"متى وصلت إلى هنا؟"
نظر هنري إلى النار المشتعلة، ثم قال:
"عام 1974."
ظل توم صامتًا..ثم قال مبتسمًا بتوتر:
"تقصد أنك تعيش هنا منذ اثنين وخمسين عامًا؟"
رفع هنري رأسه..ابتسم ابتسامة حزينة، ثم همس
"أنا لا أعيش هنا...أنا لا أستطيع المغادرة."
أخرج توم دفتر جيمس توماس، وما إن رآه هنري حتى أغمض عينيه.
"وجدت دفتره إذن."
"هل كنت تعرفه؟"
"نعم."
"أين هو الآن؟"
ساد صمت طويل..ثم قال
"كان يظن أنه سيهرب."
"هل هرب؟"
أجاب هنري بهدوء:
"جزء منه فقط."
لم يفهم توم شيئًا.
أخرج هنري من جيبه سلسلة قديمة. كان يتدلى منها مفتاح حديدي مطابق تمامًا للمفتاح الذي وجده توم في المنزل.
وضع المفتاحين بجانب بعضهما، وكانا متطابقين.
قال هنري:
"كل من يدخل ذلك البيت... يحصل على مفتاح."
"مفتاح ماذا؟"
"للباب الذي لا يجب أن يُفتح."
نظر إليه توم بترقب.
تنهد الرجل.
"البيت لا يصطاد الناس."
"بل يختبرهم."
"إذا قاومت... يطاردك."
"إذا استسلمت... يحتفظ بك."
"وإذا اكتشفت الحقيقة..."
توقف عن الكلام.
"ماذا يحدث؟"
رفع هنري عينيه إليه..وقال بصوت خافت:
"يستبدلك."
ارتجف توم..تذكر الرجل الذي رآه في المرآةن وتذكر الصورة القديمة، وتذكر الجملة المكتوبة خلفها.
"عدت أخيرًا."
وقف هنري بصعوبة، واقترب من خزانة خشبية قديمة، ثم فتحها، وأخرج صندوقًا صغيرًا.
وضعه أمام توم، كان داخله عشرات الصور، كانت كلها لسياح. لكن شيئًا واحدًا جمع بينهم.
كل واحد منهم...يشبه شخصًا آخر في صورة أقدم، وكأن الأشخاص أنفسهم يعودون إلى القرية
عبر أجيال مختلفة.
قال هنري:
"إنه لا يخلق الأشخاص...بل يعيدهم."
رفع توم رأسه.
"من هو؟"
لكن هنري لم يجب، بل نظر فجأة نحو النافذة، وتغير وجهه، واختفت كل الألوان منه.
همس بصوت مرتجف:
"لقد وجدك."
التفت توم بسرعة.، ورأى شخصًا يقف بين الأشجار، بعيدًا وسط الضباب، يرتدي معطفًا أسود طويلًا.
وجهه غير واضح، لكنه كان يراقب الكوخ دون حركة.
قال هنري بسرعة:
"لا تنظر إليه طويلًا."
لكن توم فعل، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بذلك الرجل...شعر بصداع حاد، كأن آلاف الهمسات
انفجرت داخل رأسه، فأغلق عينيه، ولما فتحهما...اختفى الرجل.
لكن هنري كان يحدق في الباب بفزع، ثم أمسك كتف توم بقوة، وقال:
"اسمعني جيدًا...إذا عاد بك إلى المنزل الليلة...فلا تنظر إلى أي مرآة مهما سمعت صوتك يناديك."
وقبل أن يتم جملته...اهتز الكوخ بعنف، وسُمعت ثلاث طرقات ثقيلة على الباب.
دق...دق...دق...ثم جاء صوت مألوف من الخارج..صوت توم نفسه.
يقول بهدوء:
"افتح الباب... لقد جئت لأصطحبك."