ظل توم يحدق في سيارته الواقفة أمام المنزل.
كان محركها قد انطفأ، وباب السائق لا يزال مفتوحًا، يتأرجح ببطء مع الرياح.
نظر حوله..لم يكن هناك أحد، ولا أثر لأي شخص يمكن أن يكون قد قادها.
تقدم بحذر، وكلما اقترب، شعر بشيء غريب..القرية أصبحت صامتة بصورة غير طبيعية.
اختفى السكان جميعًا، حتى أصوات الطيور لم تعد تُسمع.
فتح باب السيارة، كان كل شيء كان في مكانه، الحقيبة الصغيرة، زجاجة الماء، خرائط الطريق.
حتى مفاتيح السيارة كانت معلقة في مكانها.
جلس خلف المقود، وأدار المفتاح..لم يحدث شيء.
حاول مرة أخرى، ظل المحرك صامتًا، وكأن السيارة فقدت الحياة.
ضرب المقود بيده في غضب، ثم نزل منها.
لم يعد أمامه سوى خيار واحد...العودة إلى المنزل القديم.
عندما دخل المنزل، شعر أن الهواء بدا أثقل من السابق.
كانت المدفأة قد انطفأت، ورائحة الخشب المحترق اختفت، وحل محلها رائحة رطوبة قديمة.
أغلق الباب خلفه، وفجأة...سمع صوت طرقات، دق...دق...دق...
توقف مكانه، لم يكن الصوت يأتي من الباب، ولا من الطابق العلوي، بل من مكان أسفل قدميه.
كرر الصوت نفسه، ثلاث طرقات بطيئة، ثم صمت، فانحنى توم ووضع أذنه على الأرضية الخشبية.
عاد الصوت مرة أخرى، وكأن أحدًا...يطرق من أسفل المنزل.
بدأ يبحث في أرجاء الصالة، وقام بالطرق بعقب حذائه على الأرض، حتى وصل إلى السجادة الكبيرة أمام المدفأة.
كان الصوت مختلفًا، أجوف.
أزاح السجادة، فظهرت حلقة حديدية مثبتة في لوح خشبي، وأمسكها وسحبها.
صدر صرير طويل، وانفتح باب سري يقود إلى الأسفل، فخرج منه هواء بارد ورطب، ورائحة تراب قديم.
سلط ضوء هاتفه إلى الداخل. كان هناك سلم حجري ضيق يختفي في الظلام.
تردد توم للحظة، ثم نزل، ثم قرر ان يهبط، فكل درجة كان يهبطها...كانت تبعده أكثر عن العالم الخارجي.
الجدران الحجرية مغطاة بالرطوبة، والماء يتساقط من السقف ببطء، وفي النهاية...وصل إلى قبو واسع.
لم يكن يشبه أقبية المنازل العادية، بل بدا أقرب إلى سرداب قديم.
رأى على الجدران عشرات الأسماء المحفورة، بعضها بالروسية، وبعضها بالألمانية، وأخرى بالفرنسية.
ثم لمح أسماء باللغة الإنجليزية.
اقترب..قرأ أول اسم، جيمس توماس، الاسم نفسه الموجود في جواز السفر، وتحته تاريخ، 1987
تسارع نبض قلبه..واصل القراءة..وجد أسماء أخرى، كلها تعود لسياح من دول مختلفة.
كل اسم يتبعه عام.
1964.
1965.
1966.
1967.
1968.
ثم...توقف فجأة، كان في آخر الجدار، وجد اسمًا لم يكن موجودًا قبل لحظة، توم ويلسون
وتحته...تاريخ اليوم، فتراجع مذعورًا.
"لا... هذا مستحيل."
اقترب مرة أخرى، ولمس الحروف. كانت محفورة فعلًا داخل الحجر، وليست مكتوبة بالحبر.
بينما كان يحاول استيعاب ما يراه...سمع صوت سقوط شيء معدني، فاستدار بسرعة، ووجد مصباحًا زيتيًا قديمًا
مشتعلًا فوق طاولة لم يكن قد لاحظها.
تقدم نحوه..كانت الطاولة مليئة بالصور الفوتوغرافية القديمة، وبدأ يقلبها واحدة تلو الأخرى، سياح، عائلات.
جنود، ورحالة.
كلهم يقفون أمام المنزل نفسه، لكن المدهش...أن وجوههم جميعًا تبدو خائفة، وكأن الصورة التُقطت قبل لحظات
من كارثة.
ثم وجد صورة حديثة، تمت التقطها بيد مرتجفة.
توقف قلبه للحظة..كانت الصورة له، يقف أمام المنزل...وهو يحمل حقيبته...في اللحظة التي وصل فيها أمس.
لكن...من الذي التقطها؟ لم يكن هناك أحد.
قلب الصورة، فوجد تاريخ الالتقاط، كان قبل يومين، فنظر إلى التاريخ مرة أخرى، ثم إلى ساعة هاتفه.
لا يمكن، هو لم يصل إلا مساء الأمس..بدأت أنفاسه تتسارع، فشعر بأن المكان يدور حوله.
في الزاوية البعيدة من القبو...لاحظ بابًا خشبيًا صغيرًا، فاقترب..كان مغلقًا بسلسلة صدئة، لكن السلسلة كانت مقطوعة.
دفع الباب، فصدر صرير طويل.
دخل غرفة ضيقة جدًا..لم يكن فيها سوى كرسي خشبي قديم، وعلى الجدار المقابل...مرآة ضخمة يغطيها قماش أسود.
تذكر فورًا كلمات جيمس في الدفتر:
"لا تنظر إلى المرايا بعد منتصف الليل."
نظر إلى ساعته. كانت تشير إلى الثالثة وعشر دقائق. شعر توم بقشعريرة، واستدار ليخرج، لكن...سمع همسة خلفه.
بصوت هادئ للغاية.
"توم..."
التفت بسرعة، لم يكن هناك أحد، ثم تحرك القماش الأسود وحده، وانزلق عن المرآة ببطء.
ظهرت المرآة كاملة..انعكس فيها القبو...والطاولة...والكرسي...لكن...لم يظهر توم.
بدلًا منه...كان يقف رجل آخر، يرتدي الملابس نفسها، ويحمل الوجه نفسه. لكنه كان أكبر منه بعشرين عامًا.
كانت لحيته طويلة، وعيناه غائرتين، وبدا مرهقًا كأنه عاش سنوات من العذاب.
رفع الرجل يده ببطء، ووضع إصبعه على شفتيه.
ثم قال دون أن يتحرك فمه:
"لا تدعه يعرف أنك رأيتني."
وفي اللحظة نفسها...انطفأ ضوء الهاتف، وغرق القبو كله في ظلام دامس.